ساحة قحطان

“صديقنا قحطان اخذته الحمّية  ليشارك بالهجوم على احدى باصات مصلحة نقل الركاب الحمراء، كي يحرقوها ويعتدوا على سائقها وجابيها، ليسقط قتيلا برصاص رجال الأمن “
من اليمين حكمت الدقاق ومحمد حسين وقحطان السامرائي وعلي سبع عام 1959 شارع الهندي امام بيت قحطان
 
مقلباً في صور الماضي السحيق عثرت على هذه الصورة التي اعادة ذكريات ايام واصدقاء واحداث جميلة في عموم مظهرها مؤلمة في بواطنها. لم يتجاوز عمري في هذه الصورة سوى اثني عشر عاما، وكنا نسكن في شارع الهندي، منطقة البوجمعة،  الكرادة الشرقية.  اُخذت هذه الصورة عام 1959 يوم كانت البجامة ليست قميصاً للنوم فقط، وانما ملبساً مناسباً جداً خارج البيت ولركب الدراجة والتجوال في الشوارع وحتى الذهاب بها الى السينما. ومن بين اصدقاء تلك المرحلة صديق الطفولة كان ومازال حكمت الدقاق وصديق كان قريبا الينا ولكن تدريجياً اتسعت الهوة بيننا نتيجة تعمق الخلاف الفكري والسياسي معه وهو قحطان عبد اللطيف السامرائي. كنا في نقاش مستمر، خاصة بعد ظهور الخلاف بين الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف. انا وحكمت كنا مع الأتجاه الوطني التقدمي المؤيد للزعيم عبد الكريم قاسم، بينما كان قحطان ذو توجه قومي، ومغرماً بالرئيس جمال عبد الناصر والوحدة مع مصر وسوريا تحت قيادته. كان قحطان اكبر منا سناً بحدود السنتين، ونتيجة لميوله القومية انتسب الى حزب البعث في تلك المرحلة.
في ربيع عام 1962 اقدمت حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم على زيادة سعر وقود السيارات (البنزين) بمقدار زهيد وهو 5 فلوس للغالون الواحد على ما اتذكر. القوى السياسية التي كانت متحكمة بتحريك الشارع العراقي آن ذاك كانوا الشيوعيون من جهة والبعثيون والقوميون متحدين من جهة اخرى. ومن بين النقابات التي كانت ما تزال تحت تأثير الشيوعيين نقابة سواق سيارات الأجرة، والتي لم تكن من النقابات المهمة، لذلك لم يبذل الزعيم جهداً واسعاً للسيطرة عليها. بينما النقابات المهمة من حيث العدد والتأثير الأقتصادي والأجتماعي مثل نقابة السكك الحديد ونقابة عمال النفط واتحاد الجمعيات الفلاحية قد تم السيطرة عليها عن طريق شراء ذمم بعض القيادات وتزوير الأنتخابات لتنصيب قيادات موالية للزعيم بعد زج معظم قادة النقابات اليساريين امثال: علي شكر وصادق جعفر الفلاحي وكليبان وووو في المعتقلات والسجون. ومن جهة اخرى من بين النقابات المهمة التي لم يستطع الزعيم السيطرة عليها هي نقابة المعلمين ونقابة المحامين اللتان كانتا تحت نفوذ مشترك بين القوميين والبعثيين.
كان البعثيون عام 1962 في مرحلة الأعداد للأنقضاض على سلطة الزعيم، وتغيير السلطة السياسية عسكرياً لصالحهم. لذلك قرروا ان يستفيدوا ويستغلوا من قرار رفع اسعار البنزين لتأجيج الشارع ضد القرار، وبالتالي ضد الحكومة والزعيم. فأعلنوا اضراب سواق سيارات الأجرة. وفي نفس الوقت اعلنت نقابة سواق سيارات الأجرة الموالية لليسار الأضراب السلمي مطالبين برفع الحيف عن سواق السيارات الذين يعتبرونهم من الكادحين. إلا ان الأضراب السلمي لم يكن كافياً للبعثيين، ما لم تعم الفوضى ويسقط قتلى وتسفك دماء. لذلك نقلوه الى مرحلة اكثر عنفاً، وهو الأعتداء على باصات مصلحة نقل الركاب وهي الباصات الحمراء التي تعتبر رمزا متحركا وسمة من سمات مدينة بغداد كما هي لمدينة لندن البريطانية.  انتشر الغوغاء دون دعوة او تحفيز من قبل الشيوعيين او النقابة، ولكن بدفع من ايادي لم تكن خفية وهي ايادي المتآمرين وبدأت مرحلة العنف. ولكن الزعيم الذي كان همه الوحيد في تلك الأيام، هو اضعاف نفوذ الشيوعيين، علماً انهم كانوا سنده الوحيد لم يدرك خطورة الأمر وابعاده السياسية.  لقد طالب البعثيون سواق الباصات العامة المشاركةِ بالأضراب، وكان ذلك من الصعب تنفيذه لعدة اسباب منها ان النقابة لم تطلب ذلك منهم، وثانيها انهم لا يدفعون ثمن البنزين، وثالثها انهم يعملون لمصلحة حكومية وربما يؤدي ذلك لفصلهم من العمل. وعليه لم يشارك سواق الباصات في الأضراب مما جعلهم هدفاً لغوغاء الأضراب في شوارع بغداد ومعظمهم من المراهقين والشقاوات (الفتوة).

صديقنا قحطان إما جائته الأوامر من حزب البعث او اخذته الحمّية وخرج الى شارع الكرادة داخل قرب شارع الهندي في محلة البوجمعة ليشارك مع مجموعة من المراهقين المندفعين  بالهجوم على احدى باصات مصلحة نقل الركاب الحمراء، كي يحرقوها ويعتدوا على سائقها وجابيها، ليسقط قتيلا برصاص رجال الأمن الذين كانوا في باصات الأمانة لحمايتها بأعتبارها من الممتلكات العامة. سماعنا للخبر كان صدمة كبيرة. قحطان صديقنا قتل! لماذا وكيف وهل كان يجب ان يقتل؟ وهل يستحق الأضراب مثل هذه التضحيات الجسام؟ قحطان لم يكن سائق سيارة وبالتالي لا علاقة له بسعر البنزين. قحطان لم يكن سياسياً بمعنى الكلمة لأنه لم يكن سوى فتىً مراهقاً تحت تأثير الأفكار القومية.

 

ساحة قحطان اليرموك

كان لما حصل لقحطان اثر وتأثير واعادة تفكير لما كان يحصل حولنا. اسئلة عديدة منها، لماذا تلجأ القوى السياسية الى العنف؟ ولماذا تستخدم الدولة اقصى درجات الردع لتصل الى حد قتل متظاهرين، حتى وان كانوا يعتدون على الممتلكات العامة؟ مضت ستون عاما على هذا الحدث وللأسف مازال يتكرر ويتكرر ويتكرر عبر العقود.

ومن الجدير بالذكر انه بعد انقلاب 8 شباط 1963 أعتبر قحطان شهيداً ومنح رتبة ملازم لأغراض التقاعد، وسُميت ساحة مهمة بأسمه هي “ساحة قحطان” في اليرموك تخليداً له. الشعب العراقي قدم الآلاف من الشهداء السياسين وخاصة  الوطنيين واليساريين في كل العهود. اين هي نُصبهم ورموزهم واسمائهم في شوارع وازقة بغداد وعموم العراق؟ ولماذا تتنكر الحكومات المتعاقبة لتضحياتهم علما ان الكل يشيد بوطنيتهم وثقافتهم ونظافة اياديهم وولائهم للوطن؟