رُعبٌ بين بغداد وبراغ

“ظل واقفاً مسيطرا ومتحكما في الموقف، ومتصنعا لحركات متعمدة ولعدة مرات كي يريني انه يحمل مسدساً تحت سترته”

كانت تجارة والدي الاساسية هي استيراد السلع المنزلية المصنوعة من الكرستال والبورسلين من اليابان وبولونيا والصين وألمانيا وچيكوسلوفاكية (قبل انفصالها الى دولتين). نشتري من هذه الدول من خلال ممثلي الشركات في بغداد أو من خلال وكلائهم العراقيين.

من اليسار حميد ومحمد حسين ومحمد جواد وناجي وابن الحارس في معرض النصر 1966
واحيانا كان والدي يسافر لهذه البلدان ويزور المصانع ويتسوق من افضل وآخر منتجاتهم التي لم يستوردها بعد. وبعد وفاته المبكرة رحمه الله في صيف عام 1969 كان لزاما عليَّ ان العب نفس الدور. ففي شهر أيار من عام 1970 قررت الذهاب الى جيكوسلوفاكية لعقد صفقات الأستيراد ولم يتجاوز عمري آنذاك سوى 23 عاماً. زرت في اليوم الأول مصنع كرستال نزبور خارج مدينة براغ وفي اليوم التالي زرت مكتب بيع اواني الطعام المصنوعة من البورسلين الفاخر في وسط مدينة براغ الجميلة. كل ذلك ضمن مواعيد تجارية محددة مسبقاً.

اخبرني بعض الأصدقاء انه في مقهى اوربا عند مدخل فندق اوربا الكبير(Grand Hotel Europa) في شارع فاسلافسكي ناميساي الرئيسي يلتقي العديد من الطلبة العراقيين والمقيمين في براغ. ذهبت في اليوم الثالث الى هناك والتقيت بأحد العراقيين ثم جاء الثاني والثالث الى ان اصبح على طاولتنا ما يقارب الستة اشخاص. كلهم طلاب ومخضرمين ولهم مدة طويلة هناك، ويبدوا على

Image result for grand hotel europa prague
فندق اوربا الكبير براغ

الجميع انهم طلاب بالأسم فقط. وانا كزائر وكتاجر فرشت لهم الوليمة بالكامل من مشروبات ومأكولات وما لذ وطاب. واخذنا الحديث هنا وهناك الى ان سألني احدهم ما اذا كان حقا ما نسمعه من ان الناس يقفون في طوابير ويتدافعون للحصول على طبقة البيض او الدجاج المستورد. قلت لهم نعم ذلك حقيقة واقعة. وتحدثنا عن الأوضاع الأقتصادية بأعتباري تاجر وابن سوق. لم نتكلم بالسياسة او طبيعة السلطة قط. لم يأتي اسم حزب البعث او البكر او صدام في المحادثة اطلاقا. المهم نهاية الجلسة دفعت الحساب واخذت تاكسي الى فندق الكونتنانتل.

في اليوم الرابع التقيت بمحمد وهو شاب كرادي (من الكرادة الشرقية) من عائلة ذياب مشكور وهم عائلة قصاصيب (جزارين) معروفة في منطقة البو شجاع كرادة داخل. محمد كان ضابطا في الجيش العراقي منذ عام 1963 حينما حكم البعث اول مرة. وعليه كان ضابطا بعثيا حينما حدثت حركة 17 تموز عام 1968، وسيطر البعث من جديد على السلطة. تم اعتقال محمد لاحقا لأنه بعثي من جماعة القيادة القطرية (من جماعة سوريا). اعتقل وحقق معه في سجن رقم واحد في معسكر الرشيد مما ادى الى كسر في ظهره. بعد ان افرج عنه ذهب الى سوريا التي ارسلته على حسابها للعلاج في براغ.  سرد لي قصته ونحن نتجول في مدينة براغ  القديمة. احسست بالأطمئنان مع محمد وارتحت اليه كثيرا. بقينا نتجول في شوارع براغ المتميزة بمعمار القرون الوسطى المُطعم بألوان متناسقة زاهية براقة كألوان المينا في المجوهرات الهندية.  وصلنا الى الميدان الرئيسي الذي به ساعة فلكية قديمة (Astronomical Clock) في اعلى برج مشيد لهذا الغرض منذ القرن الخامس عشر. وكلما تدق الساعة تنفتح نوافذ البرج لتتحرك التماثيل داخل نافذتين في اعلى البرج على انغام موسيقى خاصة بها. منظر جميل جدا ومحطة رئيسة لسواح مدينة براغ التأريخية والمعروفة بجسورها وابنيتها القديمة التي تجعل المدينة برمتها وكأنها متحف تأريخي.

 
بعد ذلك ونحن نتجول في احدى الشوارع الرئيسة برز امامنا على الجانب الآخر ثلاث اشخاص في ملابس رسمية (بدلة ورباط) وشوارب سود فيما كان يسمى في حينها شوارب ٨شباط تيمناً بأنقلاب 8 شباط الدموي عام 1963 وتقليداً لشوارب صدام حسين.  اشروا على صاحبي محمد فذهب اليهم. وبقى يتحدث معهم حوالي الخمس دقائق وكانوا يؤشرون عليّ بين الحينة والأخرى. بعد ان تركوه جاء لي مرتبكاً، وقال: مع من كنت في مقهى اوربا  البارحة؟ قلت مع مجموعة من العراقيين لا اعرفهم شخصياً. هل تحدثتم بالسياسة؟ قلت كلا. هل تحدثت عن ازمة الدجاج والبيض؟ قلت نعم. قال كان معكم من يكتب تقاريرللمخابرات العراقية. وهؤلاء الذين رأيتهم هم موظفين في الملحقية العسكرية واعرفهم منذ كنت ضابطاً.  كانوا يريدون معرفة اسمك بالكامل وماذا تفعل هنا واين تسكن و..و….؟. قلت لهم كل الذي اعرفه ان اسمه محمد وابوه تاجر غني، وانك هنا لغرض الونسة والبنات والشرب والمسخرة! قلت له وكيف عرفوني وانا في الشارع؟  قال انك الزائر الوحيد هذه الأيام وعن طريق البدلة القهوائية المميزة التي تلبسها كل يوم في براغ.
 
طارت النشعة وحل محلها قلق وخوف ورعب وعودة للوطن لا تعرف نتائجها. اليوم التالي كان اليوم الخامس وهو يوم سفر العودة على الخطوط الجوية الجيكوسلوفاكية التي كانت تصل بغداد عبربيروت. لم يكن في الطائرة اكثرمن عشرة ركاب من براغ الى بيروت. اما من بيروت الى بغداد كنت انا وامرأة كبيرة في السن فقط. كان الطيران في ليلة مظلمة وكانت الطائرة فارغة وموحشة جداً. الخوف من القادم المجهول اخذ يضخم الخوف من اي اصوات تأتي من محركات الطائرة ومطباتها الهوائية التي لم تتوقف لحين الوصول الى بغداد. ولم يكن ما يشغل تفكيري سوى، هل ستنتظرني المخابرات في المطار؟ واذا سألوني ماذا سأقول لهم؟ هل هناك تسجيل صوتي للحديث؟ وهل …. وهل …..؟  كانت من اطول الرحلات واكثرها رعباً في السماء. وصلنا مطار بغداد في حدود الساعة التاسعة مساءً. ومررت من خلال ضابط السفر وموظف الكمارك دون سؤآل يذكر او استجواب. وصلت البيت فرحاً مشتاقا لأكل الوالدة اللذيذ وكنت متعباً جداً فذهبت الى النوم في حدود الساعة الحادية عشر مساءاً.

 ايقضتني والدتي وانا في عز النوم. لم استطع ان افتح عيوني لشدة الأرهاق من السفر. قالت أكعد (استيقظ) هناك من كان يطرق الباب مرارا، وحينما فتحت الباب له سأل عنك. انه شخص

من اليمين محمد حسين وعلى يساره سعدي في سدة الصدور

غريب ومخيف والساعة هي الخامسة صباحاً. قلت حسناً امي ادخليه في غرفة الضيوف وسأنزل حالاً. وضعت الروب على كتفي ورشقت بعض الماء في وجهي استعداداً للمجهول الذي سيجلبه زائر الصباح المشؤوم، ولم يأتي على بالي سوى ما حدث في براغ. دخلت الغرفة واذا به “سعدي” صديق لصديق الطفولة “رياض الطحان”. معرفتي به لا تتجاوز سوى ان رياض قد جاء به في احدى سفراتنا الى الصدور. اعرف اخاه “طالب” الذي كان من دورتنا في الثانوية الشرقية. والاثنين هما ابناء عم حسن العامري واخوة زوجته، الذي كان عضو في القيادة القطرية لحزب البعث ووزير التجارة آن ذاك. شريط سريع مر في ذاكرتي كي افهم معنى هذه الزيارة الرهيبة. سعدي كان في منتهى الأناقة يلبس بنطلون وسترة ورباط، وكأنه اثناء الدوام او ذاهب للدوام في احدى دوائر الدولة التي تتطلب شياكة عالية. كان سلامه معي مقتطبا وكأنه في مهمة رسمية وليس في زيارة ودية لصديق. رحبت به وجلست كي يجلس، إلا انه ظل واقفاً مسيطرا ومتحكما في الموقف، وبدأ يتحرك امامي رواحاً ومجيئاً كبندول ساعة حائط قديمة، متصنعا لحركات متعمدة ولعدة مرات كي يريني انه يحمل مسدساً تحت سترته. قلت في نفسي انه ربما جاء بسبب ما حدث في براغ. وبما انه يحمل مسدساً واستطاع ان يعرف مسكني علماً انه ليس من محلتنا ولم يزرني سابقاً ابدا، اذن انه يعمل في الأمن او المخابرات او مرافق لنسيبه حسن العامري. وأخيرا تكلم عن سبب زيارته وقال بشكل جدي وبوجه عبوس يحمل التهديد بطريقة قوله: آني آسف جئتك في وقت غير مناسب ولكني بحاجة الى ان استدين منك 500 دينار. (الدينار العراقي كان يساوي 3.5 دولار آن ذاك اي ما يساوي 1,750 دولار). ارتحت لذلك كثيراً لأنه ليس اسوأ الأحتمالات. قلت له: سعدي لقد كنت مسافراً خارج العراق ووصلت قبل حوالي خمس ساعات وليس لدي اي مبلغ الآن. اذا امكن تعطيني عدة ايام لأرى ما استطيع تدبيره. ظل يفكر ويروح ويجيئ في الغرفة وانا لا استطيع ان اسحب النفس بسهولة.  تعمد ان يرينيني المسدس عدة مرات وهو يتحرك امامي للعلم والتحذير. قال متردداً: حسناً إلا انني بحاجة ماسة للمبلغ ولا بد لي من الحصول عليه.

 
لم اصدق انه تركنا. كانت امي ماتزال في الطابق الأسفل لتسمع ما يحدث. سألتني ما هو الموضوع؟ قلت لها صديق غبي لا تحملي هَمْ وتصبحين على خير. تقلبت في الفراش مفكراً: هل هناك ترابط بينه وبين ما حدث في براغ؟ هل انه متفق مع اخيه طالب؟ كيف سأتصرف؟ ومن حسن الحظ  كنت متعباً جداً فأستغرقت في نوم قلق في بدايته ولكنه تحول الى سبات عميق وجه الصباح، ولم استيقظ إلا قبيل الظهر بقليل. طفرت من الفراش مفزوعاً كأني قد فات عليّ موعد مهم. هممت بأستعجال وذهبت حالاً الى الصديق رياض الطحان. شرحت له الموضوع بمنتهى العصبية وقلت له: أنت الذي عرفتني عليه وانت الذي يجب ان تخلصني منه. رياض من النوع البارد (دهري بالعراقي) إلا انه صديق يُعتمد عليه. قال لا عليك اعتبر الموضوع منتهي. قلت له، ولكن كيف؟ لقد دخل بيتي واستفزني وهددني  ويريد ان يبتزني.  قال لا عليك اعطني لحد المساء واكون قد وصلت الى نتيجة. تركته وذهبت الى سوق الشورجة لممارسة عملنا. في المساء جائني رياض وخرجنا سوية الى مقهى الحدباء(زناد) على شارع ابي نؤآس الذي نرتاده عادة كل خميس كملتقى يتخللها لعب الدومنه والطاولي. قال لي انسى الموضوع انتهى. لقد التقيت بأخيه الأكبر طالب واخبرته بالموضوع. تأسف طالب كثيراً لما حدث وقال ان اخاه قد مرغ سمعتهم في التراب وانه سيكون له حساب معه. واكد عليه قائلاً: ارجو ان تخبر محمد: انه على الرغم من الخلاف السياسي بيننا والصراع العنيف الذي خضناه  عام 1962/ 1963، فإن سعدي سوف لن يصل اليه مرة اخرى.  وهذا ما كان. ولكن الرعب مازال في الصحو والمنام وفي كل مكان. معذرة فهناك ذكريات مؤلمة حتى فيما يسمى ايام الزمن الجميل.
محمد حسين النجفي
www.mhalnajafi.org