اللاعب الصغير

 “انه لاعب صغير ذو إنجاز كبير، وهذا ما استمرت عليه حياته. دائما يتوقع منه الذي لايعرفه حد أدنى ويستغربون حينما تناطح نتائج أعماله الحدود العليا”
الذكريات:
كان هناك اعتقاد موهوم لدى بعض رجال الدين (وليس المرجعية) وخاصة الشيعة، من ان المدارس الحكومية والأهلية غير الدينية تُدرس مواد علمية وأدبية ربما تتنافى مع التعاليم السماوية. لذا كان بعض رجال الدين ينصحون اتباعهم بأن لا يبعثوا ابنائهم الى تلك المدارس. وهذا ما حدث بالضبط الى والدي حينما كان في الصف الثاني او الثالث الأبتدائي.  حيث انه حينما كان يسير في السوق الچبير (السوق الكبير المسقف) في النجف الأشرف مع والده، صادفهم رجل مُعمم (وليس عالم دين) الذي عاتب جدي لأنه ادخل ابنه “علي” في المدرسة الحكومية، وطلب هذا الشخص من جدي بأن يخرج والدي من المدرسة لأنها حرام. تدخل والدي (وهو في العشر سنوات من عمره) في الحديث دون ترخيص من جدي، وقال له: لكن ابنك معي في المدرسة، لماذا لا تخرجه؟ اعتبر جَدي كلام والدي تحدي وقلة ادب من ابنه، فكفخه على رأسه (ضربه بيده على خلفية رأسه)، وزجر به وفعلاً اخرجه من المدرسة. كان ذلك في حدود عام 1930 في مدينة النجف الأشرف. لقد ادى هذا النهج الى ضعف انتشارالثقافة التعليمية في مناطق الجنوب والفرات الأوسط، لذلك انحسر دورهم في الوظائف الحكومية، بينما اتسع في مجالات التجارة والأعمال الحرة. وبموجب ذلك تغير مسار والدي من الدراسة الى المباشرة في العمل بالسوق الكبير في بيع وشراء اي شيء وكل شيء حسب الموسم وما كان له حاجة في السوق الى ان استقر على التركيز على السلع المنزلية والمطبخية. وكان له صديق من عمره يقوم بذات الشيء وكانوا يأتون الى بغداد لغرض التسوق ويعودون الى النجف معاً. كان هذا الشخص هو الحاج علي مرزة الذي دامت صداقته لأبي ولي شخصيا من بعد ذلك لحين الفراق الأبدي. تطور والدي في التجارة ليصبح من التجار المعروفين في السوق الكبير في النجف في أربعينيات القرن الماضي. ثم لينتقل بعد ذلك الى بغداد للعمل في سوق الشورجة المركز التجاري الرئيس لبغداد وعموم العراق وليكون عضواً في غرفة تجارة بغداد واحد كبار المستوردين للكريستال والفرفوري والسلع المنزلية . 

ونتيجة لما حصل لوالدي في صغره وما رآه من حاجة للثقافة والتعليم عموما ولاهمية تعلم اللغة الأنكليزية خصوصا للأغراض التجارية، كان يسعى ليحصل ابنائه على افضل تعليم ممكن. لهذا السبب ولغيره انتقلنا الى بغداد حيث بدأ مشواري الدراسي بدخول الروضة والتمهيدي والأول ابتدائي في مدرسة راهبات الكلدان، ثم في الصف الثاني الأبتدائي الى السادس الأبتدائي في مدرسة الحكمة الأهلية في الكرادة الشرقية. اعتادت مدرسة الحكمة الأبتدائية الأهلية في الكرادة الشرقية على إقامت مهرجان رياضي ضخم بين سنة واخرى. كان العام الدراسي 1957/1956 هو العام الدراسي لهذا النشاط. وعلى الرغم من ان المدرسة لها مُعلم رياضة وهو الاستاذ عبد القادر، إلا انهم وظفوا مدربا خاصاً متفرغاً للمهرجان وهو الاستاذ انور الذي كان نشطاً ومتحكماً وبشوشاً في آن واحد، لذلك كنا نخافه ونحترمه ونحبنه في نفس الوقت. طبعاً كل الطلاب يُعتبرون من المشاركين في فعاليات المهرجان وخاصة طلبة الصف الرابع والخامس والسادس. ومن بين الألعاب المهمة هي المسيرة العسكرية (يس يم) (Marshall Band). كذلك ركض الـ 100 متر والبريد والقفز والحصان الخشبي (الجمناستك) ووووو. لقد لاحظ استاذ انور التزامي ومهارتي اثناء التدريب فأختارني للمشاركة في نشاط المسيرة العسكرية وركض الـ 100 متر والحصان الخشبي (الجمناستك) وشجعني على التركيز عليها. دعوت امي وابي لحضور المهرجان إلا انهم ليسوا من النوع الذي يحبذ الأشتراك بهذا النوع من النشاطات العامة، لكن

محمد حسين

ابي قال لي شيئاً غير مُشجعاً وهو ان حظي بالفوز بالركض ضعيفاً وذلك لقصر أرجلي. لم افكر بالموضوع كثيراً في حينها، ولكني حينما استذكره الآن اعتقد انه اراد حمايتي من ردود الفعل النفسية في حالة الفشل.

ومدرسة الحكمة من المدارس الأهلية المختلطة التي يمتاز تدريسها بتعليم اللغة الأنكليزية من الصف الأول الأبتدائي. مؤسسها ومديرها كان الاستاذ شوكت زوما الذي استطاع ان يقدم نموذجاً جيداً لما يستطيع ان يقوم به القطاع الخاص في التربية والتعليم، حيث ان المدرسة كانت من حيث البناء والتنسق والنظافة جيدة جداً، كان لدينا قاعة خاصة لتناول الغذاء، وساحة كبيرة للالعاب، وصفوف فرهة وحمامات نظيفة. كان الأستاذ شوكت يحافظ على النظام الصفي بطريق ربما تعتبر قاسية من المنظور الحديث. حيث كان يعاقب الوكحين (المشاكسين)  بالضرب بمسطرة خشبية غليظة، يضربها على كف اليد واحيانا يضرب بالجانب الحاد وليس العريض. اتذكر انه في احدى المرات كسر المسطرة على يديّ من شدة عنف الضربة. وربما كانت هي الطريقة الوحيدة التي يعرفونها او المناسبة في ذلك الوقت. كانت ست ڤكتوريا أخت أستاذ شوكت تساعده في إدارة المدرسة، وهي سيدة من الدرجة الاولى بكل معاني الكلمة. ومن المعلمين والمعلمات الذين اتذكرهم واقدرهم ست “مقبولة” التي درستنا اللغة العربية وست “ثانية” التي علمتنا اللغة الأنكليزية.

كان من زملائي في تلك الفترة مؤيد كاظم الرواف، شكيب عزت السنجقلي، فائز مزهر شنين، صباح نايف جودي،صباح رضا، رعد رزوق اسطيفان، شفيق محمد حسن شاه، محمد رضا قاسم عباس النجفي، خديجة محمود الصراف، سعاد وامل باقرالحريري، احلام عبد الرزاق الحسني، رعد نعيم نعمو، وائل عبد الأمير المرعب، اسعد عباس السعدي، اياد علي عيسى، مصطفى أمين ال عيسى، ايسر زوما، باسم محمد رزوقي، فاروق البعلي، نبيل حسن زلزلة، تغريد ناظم حميد والأخوة موفق وكاظم البياع، صادق حمرة، وحميد وسامية خالد وووو.

وجاء يوم المهرجان، وهو يوم مهم لمدرسة الحكمة وللكرادة الشرقية وللأسف لم يحضر اي من عائلتي سوى الصديق حكمت الدقاق. ابتدأ المهرجان الذي كان في باحة المدرسة وكان اهل التلاميذ في ملابسهم الأحتفالية الزاهية يجلسون في موقع عالي (الطارمة) مشرف على باحة النشاط. ابتدأ المهرجان بالسلام الملكي والمسيرة العسكرية، وكان هناك معلق وميكرفون ومصورين. وفعلا كان احتفالا ابتهاجياً تفتخر به مدرسة الحكمة واستاذ انور واستاذ شوكت. كان الجمهور متحمساً ومشاركاً بالهتاف والتصفيق وخاصة المذيع الذي منحني من دون الآخرين لقب “اللاعب الصغير” بعد ان فزت الأول في المارشال باند. اعقبها وهذه كانت مفاجئة للجميع فوزي بالمرتبة الأولى في ركض الـ 100 متر. استمرت السباقات وكان آخرها اهمها وهو سباق العاب (الجمناستك) الذي كنت مشاركاً فيه. كانت العاب الجمناستك تتم على الحصان الخشبي الذي يتضمن قفزات والعاب عليه لتنتهي في النهاية بقفزة من حافة الحصان لنصل الى الأرض واقفين بثبات دون التأرجح او السقوط. كان المذيع متحمساً للجميع إلا انه منحازاً بشكل واضح لـ “اللاعب الصغير” الذي كانت خطواته وقفزاته وثباته على الأرض متميزاً بدقته واناقته.
الحصان الخشبي

حصدت في نهاية المهرجان ثلاثة كؤوس الأول في المارشال باند والأول في ركض الـ 100 متر والأول في الجمناستك، وبالتالي حصلت على حصة الأسد من الكؤوس. وكجزء من مراسيم ختام المهرجان يتم اختيار افضل رياضي او لاعب للمهرجان. وهنا كانت المفاجئة العظمى وهي اختياري ومنحي لقب “بطل المهرجان” ومنحي كأس كبيرة جداً امام تصفيق حاد وصوت المذيع الذي لا اعرفه مغردا بصوت جهوري وواضح لـ “بطل المهرجان اللاعب الصغير”. يوم لا يمكن نسيانه وانجاز لم استطع تكراره إلا بعد ثمانية عشر عاما حينما ناقشت رسالة الماجستير في ادارة الأعمال ودافعت عنها بحرارة ومُنحت اطروحتي درجة “الأمتياز”.

وانا خارج من باب المدرسة استوقفني أستاذ شوكت ليقول لي “عافرم” مبروك الفوز. قلت له شكراً أستاذ. قال عليك ان تعطيني الكأس الكبير كي نحتفظ به في المدرسة ويسجل تحت اسمك. لم يكن في اليد حيلة أعطيته الكأس الكبير وأحسست بالإخفاق بعد ان كنت فرحاً به. كنت أودّ ان آخذ الكأس الكبير لأمي وابي كي يفتخروا بأبنهم صاحب الارجل القصيرة الذي فاز بلقب بطل الاستعراض وسُميّ باللاعب الصغير. خرجت من المدرسة مع الآخرين والكل كان يهنأني ويناديني باللاعب الصغير. انه لاعب صغير ذو إنجاز كبير، وهذا ما استمرت عليه حياته. دائما يتوقع منه الذي لايعرفنه حد أدنى ويستغربون حينما تناطح نتائج أعماله الحدود العليا.
في العطلة الصيفية من عام 1958 وحينما كنا  ما بين الصف الخامس والسادس الأبتدائي حدثت ثورة الرابع عشر من تموز التي هزت مشاعر العراقيين جميعاً، رجالهم ونسائهم، كبارهم وصغارهم، مثقفيهم وامييهم، اغنيائهم وفقرائهم، عربهم واكرادهم. كانت غالبية الناس معها ومع زعيمها عبد الكريم قاسم، وكانت هناك اقلية تتعاطف مع العائلة المالكة. المهم ان الثورة اججت المشاعر الوطنية لدينا مصحوبة بعداء للأستعمار متمثلاً بالولايات المتحدة وبريطانيا العظمى. ولذلك حينما تخرجت من السادس الأبتدائي كان من المفروض ان اكمل دراستي الثانوية في “كلية بغداد” (وهي مدرسة ثانوية اهلية معظم تدريسها باللغة الأنكليزية، بأدارة فاذرية (قسسة) من امريكا، وهذا ما اراده ابي بأصرار. إلا ان “اللاعب الصغير في عمر الثانية عشر تحول الى مناضل كبير!”، لذلك عارضت ذلك بشدة بأعتبارها مدرسة تابعة للاستعمار، وعلينا ان نبتعد عنهم وعن مصادر ثقافتهم. وعليه اكملت دراستي في الثانوية الشرقية مخالفاً بذلك رغبة والدي في الحصول على افضل تحصيل علمي. وعلى الأغلب فإن قراري كان خاطئً ، لأن من المفروض ان التحصيل العلمي مسعى منفصل (اطلب العلم ولو في الصين) عن المشاعر السياسية. ومع ذلك لا اعتقد ان قراري يخلوا من الحدس الصحيح، حيث ان بعض خريجي كلية بغداد تأثروا ببعض مظاهر ونمط الحياة الغربية. ولا اعتقد ان في ذلك مشكلة، سوى انها ليست ما كنت اصبوا اليه في حينها. 
طبعاً  كان ومازال يتفقه علينا اميوا الشؤون الدينية ويدرسونا هذا حلال وذاك حرام وكرروا ذلك حينما اخترع التلفاز، ثم حينما وصل الأنسان وهبط على سطح القمر، وهم لم يتعلموا المعنى الحقيقي للاديان السماوية ونسوا او تناسوا ان اول كلمة نزلت على النبي (ص) في غار حراء هي: “أقرأ”.
شكرا لأبي الذي تعلم من تجربته السلبية، ومنحنا فرصة لم تتسنى له، وشكرا لأمي ربة البيت الأمية التي لاتعرف من القراءة سوى قراءة القرآن الكريم بطريقة الهجاء الملائية، والتي شجعتنا على تحصيل العلم في مدارس الراهبات ولم تجد في ذلك ما يتنافى مع تعاليم الأسلام.
محمد حسين النجفي
25 آب 2019
www.mhalnajafi.org