روح التمرد في موسيقى وشخصية زوربـــــــــا

“تلك الموسيقى الراقصة والحركات الغجرية التي تحاكي المشاعر قبل الجسد، مجسمة روح التمرد والانطلاق نحو العبثية، وتحدي العادات والتقاليد البالية”

كانت سنوات الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، هي سنوات الزمن الجميل للعراق والعراقيين. نعم كانت كذلك بالنسبة لي وللكثيرين من امثالي ونحن في سن الحداثة والمراهقة والشباب، ولكنها كانت سنين حلوة مُرة  لنا، لأننا كنا نحمل رأياً  وحلماً لعراق افضل. وللأسف الشديد فإن اي تفكير ولو بسيط خارج اطار أيديولوجية السلطة  يعتقده الحكام تهديداً مباشراً لهم. . نعم حلوة مرة لمجموعة من الشباب الذي تثقفوا و تورطوا في افكار  ونشاطات غير مقبولة من قبل الحكام ، فلقد كانت اعوام الستينيات ولا سيما بعد ردة ٨ شباط ١٩٦٣، ونكسة 5 حزيران 1967، سنين هزيمة و تشائم وضياع وخذلان وفقدان لبوصلة الحياة. حيث أدت الاعتقالات وقسوة التعذيب وعقوبات السجن الطويلة الأمد لشباب التيار التقدمي اليساري في العراق، والعديد من دول العالم الثالث الى عدم القدرة على ممارسة اي نشاط سياسي يُذكر او حتى التفكير بأبعاد وآراء جديدة. وكان لذلك ردود فعل سلبية على أسلوب الحياة للعديد من الشباب الذين قُوضت همتهم وحُطمت روحهم المعنوية وعانوا من الأحباط الشديد، جراء البطش المستمر المخيف، من قبل حكام وجيوش لم يصمدوا اكثر من 5 ساعات امام دويلة اسرائيل.

لذا كنا نبحث عن قناعات وتفسيرات وحلول وملاذات نتنفس بها بعض الأوكسجين النقي ذو البعد الحضاري والثقافي على الأفل. لذلك كنا نجد متنفساً لنا في اشعار نزار قباني ومظفر النواب حول فلسطين والحكام العرب، وقصائد احمد فؤآد نجم وانشودات الشيخ امام،  واسبوع الفلم السوفيتي في سينما النصر، والعروض الخاصة للأفلام الملتزمة في صالة مصلحة السينما والمسرح*، ومسرحيات فرقة المسرح الحديث، مثل مسرحية “النخلة والجيران” ونجومها يوسف العاني وزينب وناهدة الرماح ومؤلفها المبدع “غائب طعمة فرمان”، كذلك برنامَج السينما والناس من إعداد علي زين العابدين وتقديم المثقفة الجميلة اعتقال الطائي المتميزة بشعرها الأسود الطويل، وكلاهما من ذوي الميول اليسارية الواضحة المعالم، لذلك كانت سهرة مساء الأحد معهم سهرة ثقافية، إضافة إلى كونها ترفيهية.

كذلك كنا نتابع الجديد من المؤلفات الأوربية الجديدة والأفلام التي تحمل بين طياتها افكاراً تلهمنا وترفع من معنوياتها المنخفضة.  من بين ذلك كانت قصص وأفلام نجيب محفوظ الثلاثية “بين قصرين، وقصر الشوق، والسكرية”، و “ميرامار” و”ثرثرة فوق النيل”. ومن بين الأفلام التي أحدثت ضجة كبيرة بين اوساط الشباب والمثقفين في  الستينيات كان فيلم “سبارتاكوس” محرر العبيد بطولة “كيرك دوكلاس” ، وفلم “زوربـــــــا اليوناني” بطولة انتوني كوين، والموسيقى من تأليف الموسيقار اليوناني والناشط السياسي والمناضل من اجل الإخاء والسلام العالمي “ميكيس ثيودوراكيس” “Mikis Theodorakis”  الذي عُرض في سينما غرناطة، صالة الأفلام الراقية يومذاك.

من اليمين: حاذق، محمد حسين، مجيد
المستنصرية ١٩٦٨

ظهر فيلم زوبــــا اليوناني عام 1968/1967 وكنا حينها طلاباً في كلية المحاسبة وادارة الأعمال في الجامعة المستنصرية (الكلية الجامعة آن ذاك).  قررنا ان نذهب لمشاهدته انا والزملاء الأعزاء حاذق ومجيد. وبما ان الفلم يحتوي على موسيقى راقصة، فقد قررنا ان ننتعش بشرب بعض البيرة قبل مشاهدة الفيلم كي يكون الاستمتاع مضاعفاً. وفعلاً ذهبنا مُبكراً الى سينما غرناطة وقطعنا التذاكر للعرض المسائي، ثم ذهبنا الى “الركن الهادئ” وهو مطعم وبار كان قد افتتح حديثاً، قرب سينما الخيام. كان السوق في ذلك الوقت يعاني من شحة ونقص في توفر الكثير من السلع الأستهلاكية والتموينية. حيث كان معتاداً ان ترى طوابير الناس امام الأسواق يتصارعون على طبقة بيض او دجاجة مجمدة. كذلك شملت الأزمة المشروبات الغازية والحليب والكحول، لذلك كان “الشريبة” حينما يطلبون القنينة الثانية يكون المتوفر من البيرة قد نفذ في الكثير من الأحيان.  وعليه حينما جاء النادل طلب “مجيد” ثلاث قناني من بيرة “فريدة” مما أثار استغرابنا، وقلنا له: مجيد اننا راحلون الى السينما خلال نصف ساعة، وعليه شرب قنينة واحدة اكثر من كافِ. اجابنا مجيد بأن البوي (النادل) يعرف “اليكون مالتي”. وكلمة اليكون مصطلح محاسبي تركي من مصطلحات “البلانجو” وهو مصطلح محاسبي تركي عثماني آخر. المهم حاولنا ان نثني مجيد عن طلبه إلا انه اصر عليه.  جائت الطلبات واذا بمجيد يشرب بسرعة فائقة، كي نغادر قبل بدأ العرض السينمائي المرتقب.

 خرجنا معاً من بوابة الركن الهادئ الذي لم يكن اسماً على مُسمى بتاتاً. ذهبنا يساراً بأتجاه حديقة الأمة ثم شارع الكفاح مروراً بسينما النجوم كي نصل سينما غرناطة. في منتصف الطريق لاحظنا ان مجيد ليس معنا. توقفنا قليلاً ولم نراه، وتصورنا انه قد سبقنا. وصلنا بهو الصالة ومجيد لم يكن هناك. بطاقات الدخول الثلاثة كانت معي. انتظرنا لحين رفع الستارة ولم يظهر. لم يكن من الأمر بد، شاهدنا ذلك الفلم الرائع وتلك الموسيقى الراقصة والحركات الغجرية التي تحاكي المشاعر قبل الجسد، مجسمة روح التمرد والانطلاق نحو العبثية، وتحدي العادات والتقاليد البالية.

رقصة زوربـــــــا اليوناني

 لم يكن لأي منا سيارة في ذلك الحين، لذا سرنا بأتجاه سينما السندباد كي نستأجر تكسي النفرات (السرفيس). ونحن نسير تحت نصب الحرية الشامخ المُطل على ساحة التحرير، واذا بنا نسمع منادي: محمد …… حاذق….. . واذا به مجيد! ” هاي وين رحتوا؟ قال مجيد معاتباً ” انت وين رحت؟” اجابه حاذق بنفس السؤال. ” أكُلكُم انتوا موكلتوا الفيلم يوناني، اشو طلع هندي”؟ يابه شلون هندي!  ليش انت ليا سينما رحت؟ سألته بأستغراب. سينما الخيام: اجاب مجيد.  يبدوا حينما خرجنا من الركن غير الهادئ ذهب مجيد يميناً بأتجاه سينما الخيام بينما نحن ذهبنا يساراً. “طيب وشلون دخلت للقاعة؟” اخبرت الحرس بأن بطاقتي مع اصدقائي وانهم سبقوني. كانت السينما فارغة، وحينما دخلت الصالة تناولت اول كرسي فارغ ويبدوا انني غفوت على انغام زوربــــا وعذوبة الرقص الهندي سريع الحركات، لحين ما ايقضني الحراس. ضحكنا …..وضحكنا….. وضحكنا…..، ولم اتمالك نفسي وقلدت حركات زوربـــــا اليوناني عفواً الهندي بهياج مفرح، تحت نصب الحرية الذي مازال شامخاً في قلب مدينة بغــــــــداد النابض، وينتظر منا ان نكسر القيود من جديد مثل زوربــــــــــا، ونصنع قدرنا دون تردد او خوف او خجل.
محمد حسين النجفي
ألاول من آب 2020
www.mhalnajafi.org


*التي أهداها الجناح السوفيتي لها والواقعة في معرض بغداد الدولي الذي كان موقعه في المنطقة الخضراء حاليا مقابل السفارة السوفيتية والقصر الجمهوري.