أم الأم

 

كما يقول المثل الدارج بأن ” أعز من الأبن ابن الأبن ” فإن أم الأم لها معزة خاصة عند جميع الأحفاد. ولكن في حالتي وحالة اخوتي واخواتي فإننا قد تفاعلنا بشكل خاص مع بيبي لأن والدتي قد توفيت قبلها. وهو امر ربما كان مؤلم لها اكثر مما هو محزن الينا. فمنذ صغري وانا اناديها ” يمة” ولم اناديها بيبي طيلة حياتي حتى شاء القدر ان فقدنا امنا وعاشت بيبي معنا لتكون اماً وجدة في آن واحد

اتحدث عن الحجية زهرة بنت اسماعيل ام مهدي. المرأة المربية ليس لأبنائها فقط وانما للعديد من البنات الذين ترسلهم عوائلهم كي يتعلمون منها فنون الواجبات المنزلية من الطبخ والخياطة والتطريز وتعلم قراءة القرآن بطريقة التهجي الملائية.  المرأة التي عاشت زهوة حياتها في مدينة الكوفة مع زوجها الحاج رضا كريم عبد الحسين النداف حيث كان ندافاً من الدرجة الأولى معروف ليس في الكوفة فقط وانما في الكوفة والنجف والعشائر المحيطة في مزارع وبساتين الكوفة وخاصة البو حيداري

وفي بداية الخمسينات من القرن العشرين انتقلت الحاجة زهرة ” ام مهدي” الى بغداد لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها. وتحولت من امرأة لها دور متميز اجتماعياً في منطقة الجديدة في الكوفة الى ربة منزل تدير احوال منزلها وابنائها وابناء ابنائها. وكانت ام مهدي اقرب الى امي وابي دون الآخرين، ولها محبة خاصة مثل امي الى عماتي وخاصة ام صالح وام ناهدة وخالتي حياة

كانت شديدة البأس وكنا نعتمد عليها في الملمات والمهام التي تكسر الظهر والقلب معاً. حيث سهرت مع امي و معي ليل نهار حينما تمرض ابي وكانت معي طوال الوقت في المستشفيات دون ان تأن او تشتكي. وكنت ارى حزها ووجع قلبها في مرحلة السنوات الثلاث لحين وفاة ابي. وبعدها اقتربت اكثر الى امي ووزعت وقتها بين اسناد خالتي ام سامي واطفالها وبين مراقبة ابنتها فخرية التي كانت بحق فخر العائلة، تذبل  يوم بعد يوم حزنا على فقدان ابي

ولم تمضي سوى سنتين حتى اخذ حزن امي مأخذه عليها. فلم ينفع البيت الجديد الذي سجل باسمها ولا السفر الى لبنان ولا محاولاتي في تسفيه الأمور من اخراجها من الرغبة في الألتحاق بشريك الحياة. وهنا بدأت قساوت الحياة مرة اخرى لنرى والدتي تذوب كفص ملح امام اعيننا وهي لم تبلغ الأربعين. وكنا انا والحجية جنبها ليلا ونهارا من مستشفى لآخر ولمد ةعام على هذا المنوال، وكنا نبكي بصمت طول الوقت لمعرفتنا بما سيكون، حتى صعدت روحها الى خالقها لتكون جنب رفيق الحياة

وبقينا انا وامي الحاجة زهرة كمن اضحا ماسكاً بالقفص بعد ان طار العصفور المغرد عنه. ورجعنا الى بيوتنا وايادينا فارغة وقلوبنا خاوية ولا نستتطعم الحلو من المر في الحياة

واصبحت بيبي همي الجديد لانها آخر ما تبقى لنا وهي منا وعلينا وانتقلت لتعيش معنا معززة مكرمة ومشكورة وعوضتنا كثيراً على خسارتنا وعوضناها عن خسائرها، وبقينا وهي معنا نلملم انفسنا بما بقى لدينا، الا ان الزمان لم يمهلنا كثيراً، فجار علينا وغدر بنا واضطهدنا لننتهي بالتسارع في الرحيل من موطئ قدمنا ومسقط رأسنا الواحد بعد الآخر لنترك العزيزة الغالية مرغمين ولسنا مخيرين. وللأسف لم نكن قادرين كثيراً على اسنادها آخر ايام حياتها

وفي هذا اليوم يوم الأم الذي هو من اعظم الأيام نتذكر الحجية زهرة التي يناديها العديد من بنات الكوفة بـ ” مولتي” (بمعنى مدرستي) والتي خدمت الكل ولم ينصفها حتى اهلها او الزمن الغابر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *