الملك فيصل الأول: طموحات، نجاحات واخفاقات

الفصل الثاني من سلسلة اليوبيل المئوي لتأسيس الدولة العراقية

لقد كانت أهداف وطموحات الشريف حسين وأبنائه عبد الله وفيصل وعلي وزيد، واسعة وكبيرة. لم تتحدد تلك الآمال بتحرير الحجاز وبلاد الشام من الهيمنة العثمانية فحسب، وإنما تأسيس دولة عربية شرق أوسطية تمتد حدودها بدءا لتشمل الحجاز والعراق والشام وفلسطين. وليكون الشريف حسين ملكاً وأبناءه أمراء على هذه البلدان، وهذا يعني ربما تأسيس خلافة عربية حديثة على الأراضي غير التركية التي كانت تابعة للدولة العثمانية. فهل أستطاعة هذه العائلة تحقيق ما كانت تصبوا إليه أم لا؟

الأمير فيصل وإن لم يكن أكبر أبناء الشريف حسين، إلا انه كان انشطهم وأكثرهم تدريباً لتحمل المسؤوليات العسكرية والعلاقات السياسية، خاصة مع الحليف الجديد بريطانيا العظمى، عن طريق لورنس العرب. حيث كان فيصل بمنزلة وزير دفاع الشريف حسين ورئيس أركان جيشه.  لذلك استبق فيصل الأحداث وأقدم على تحرير دمشق مع لورنس العرب عام 1918، دون التشاور مع الإنكليز على ما يبدو. لماذا على ما يبدو؟ لأن بلاد الشام كانت من حصة فرنسا بموجب معاهدة سايكس بيكو لعام 1916، ولأن معاهدة سايكس بيكو كانت سرية.  وليس من المعقول تصور موافقة إنكلترا على دخول فيصل دمشق محرراً.  انفضح أمر معاهدة سايكس بيكو السرية بعد أستيلاء البولشفيك على السلطة في روسيا، وتدهور العلاقات بين روسيا الاشتراكية والتحالف الغربي. حيث فضحت روسيا هذه ألاتفاقية التي كانت طرفاً فيها. بعد ذلك أرغم فيصل على الخروج من الشام، وكانت صدمة قوية له، وتضعضع كبير للعلاقات، وانعدام مزمن للثقة بينه وبين ألإنكليز.

بعد أن أنتفض العراقيون في ثورة العشرين، تعقدت الأمور وأدرك الإنكليز صعوبة أدارة العراق من قبل القوات الإنكليزية بشكل مباشر. حيث جرى التفكير بتكوين أدارة وطنية، من الموالين للتاج البريطاني. وبذلك انعقد مؤتمر القاهرة في آذار 1921 الذي حضره ونستون تشرتشل وزير المستعمرات البريطاني، والمندوب السامي السير بيرسي كوكس ومس بيل من أدارة العراق الإنكليزية، وجعفر العسكري وساسون حسقيل نيابة عن وزارة عبد الرحمن الكيلاني المشكلة حديثاً تحت إشراف السير بيرسي كوكس. أقر المؤتمر الأمير فيصل ملكاً على العراق بشرطين، الوصاية البريطانية وبيعة العراقيين له. الوصاية كانت أمراً مفروغاً منه نتيجة لسيطرة القوات البريطانية على عموم العراق، وقرار الحلفاء في مؤتمر سان ريمو. أما بيعة العراقيين أو لنقل بيعة “الأشراف” ممثلين بالشيوخ والسادة ورجال الدين والموظفين الكبار الذين كانوا جزءاً من الإدارة العثمانية، فإنها لم تمر بالسهولة ذاتها.

نعم تعثرت بيعة العراقيين للأمير فيصل، مما اضعفه كثيراً في تفاوضه مع سلطة ألانتداب البريطاني. فعلى سبيل المثال  فإن لواء كركوك والسليمانية صوت ضد الأمير فيصل، وان لواء أربيل والموصل اشترطا ضمان حقوق الأقليات كما وردت في معاهدة سيفر لعام 1920. أما لواء البصرة فقد أشترط أن يكون الأمير فيصل ملكاً على “العراق والبصرة”، بمعنى أن البصرة عُدت إقليم متحد مع العراق وليست جزءاً منه. أما لواء الدليم والحلة والمنتفك والعمارة فكانت بيعتهم مشروطة ببقاء إشراف بريطانيا العظمى. ولم يمنح البيعة المطلقة سوى لوائي كربلاء وديالى. أما لواء بغداد فقد بايع الأمير فيصل بشروط عدّة منها التأكيد أن يكون العراق دولة دستورية حرة ديمقراطية مستقلة مجردة من كل قيد ومنقطعة عن سلطة الغير(1). وبعبارة أخرى فإن:

“البيعة كانت لبريطانيا العظمى أكثر من كونها بيعة للأمير فيصل”   

مع كل تلك المعوقات والتحفظات التي أشترطها أشراف المدن العراقية الرئيسة، تمّ تتويج فيصل ملكاً على العراق في يوم 23/8/ 1921، بناء على طلبه، كي يصادف ذكرى يوم عيد الغدير الذي اعلن فيها النبي محمد (ص) من أن الأمام علي (ع) خليفة من بعده(2) بمقولته المشهورة “من كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه”، ولم يعترض المندوب السامي البريطاني على ذلك. وعلى الرغم من أن الأسباب التي دعت الملك لهذا الاختيار، غير معلنة، إلا ان الملك الجديد أراد أن يكون ملكاً لكل العراقيين، ووفاء لأهل النجف الأشرف الذين قادوا الثورة على الإنكليز والذين رحبوا به بحرارة حينما زارهم قبل الموافقة على الترشيح. أمام هذه المبايعة والتتويج المشروط من جهتين متعارضتين هما أشراف المدن العراقية ورؤساء العشائر من جهة، وشروط الإنكليز ومصالحهم من جهة أخرى، أدرك فيصل أن مهمته صعبة جداً، إلا انه كان مصمماً على النجاح، خاصة بعد التجربة المريرة التي خاضها في الشام.

هناك جملة عوامل ساعدت الملك فيصل أن يحكم العراق افضل من غيره، من بينها انه لم يكن عراقياً بالمولد. وبذلك فإنه غير محسوب على هذه العشيرة أو تلك، على الشمال أو الجنوب، على هذه المدينة أو تلك، وهذا ما يجعله حيادياً في التعامل مع الجميع بشكل متوازن. وبنفس الوقت فإن عدم كونه ليس عراقياً عُدّ عامل ضعف لانه فاقد لأي إسناد سكاني او مناطقي يعتمد عليه. كذلك فإنه هاشمي النسب، شافعي المذهب، وهذا ما يجعله مقبولا من قبل الشيعة والسنة. أما شخصيته وتدريبه كعسكري وعلاقاته الدولية، فإنها متميزة بين أقرانه في ذلك الزمان. وكان للضباط الشريفيين دوراً كبيراً في إسناده ولا سيما نوري السعيد وجعفر العسكري، وجميل المدفعي وعلي جودت الأيوبي.

مع ذلك كانت هناك عوامل ضعف لدى الملك فيصل كان يدركها قبل غيره، من بينها انه لم يدخل العراق محرراً مثلما دخل الشام، لا بالعكس دخل العراق وهو مُبعداً بالقوة من ارض الشام. كذلك فإن الأغوات والمشايخ، كانوا كثيري المطالب، مستغلين للظروف الصعبة، للحصول على المزيد من أراضي الدولة دون مقابل، وإعفاءات ضريبية لا حصر لها. وبما أن الإنكليز هم من أتوا بفيصل إلى العراق، فإن اسمه اصبح لصيقاً للانتداب البريطاني.

كان الملك فيصل يدرك ما له وما عليه، ومع ذلك لم يكن أمامه سبيل إلا أن يبذل جهداً مضاعفاً لخلق توازنات قلقة تكاد تكون يوماً بيوم، للوصول إلى طموحاته وأهدافه العامة التي يمكن تحديدها بما يلي:

  • توحيد ولايات بغداد والبصرة والموصل لتكوين وطن
  • الاستفادة القصوى من الإنكليز كحليف 
  • الحصول على ألاستقلال الكامل للعراق
  • بناء مجد العائلة الهاشمية

لتحقيق ذلك كان عليه أن يكون مناوراً برعاً، وكان يستعمل الإنكليز للضغط على وجهاء العراق الذين يطالبون بالاستقلال، الذي لم يكن عملياً في حينه، لوجود القوات البريطانية، وعدم وجود قوات أو جيش عراقي للوقوف بوجهها. ومن ناحية أخرى كان يستغل تذمر وشكوى العراقيين تجاه ألانتداب البريطاني، والاستفادة من ألانتفاضات العشائرية في الجنوب ومنطقة الفرات الأوسط مثل حركة سالم الخيون عام 1924، وانتفاضة عشائر المياح في الحي عام 1927، وغير ذلك الكثير، للضغط على الإنكليز للحصول على مكتسبات تدريجية في مفاوضاته من اجل الاستقلال التام.

كان هدفه الأسمى هو تحقيق السيادة الكاملة للعراق، لذلك تعهد في خطاب العرش: “ألا وأن اول عمل أقوم به، هو مباشرة الانتخابات وجمع المجلس التأسيسي. ولتعلم الأمة أن مجلسها هو الذي سيضع بمشورتي دستور استقلالها على قواعد الحكومات السياسية الديمقراطية”(3)، كذلك استمد زخماً وأسنادا من مدن “بغداد والنجف وكربلاء، حيث كان للوطنيين تأثير ملحوظ يسانده العلماء، برز رأي مميز يتمثل في إقامة وحدة جغرافية للعراق من البصرة إلى الموصل وحكم عربي”(4) وبذلك دخل مع الإنكليز بمساومات ومفاوضات مضنية ومتعبة. وكان جعفر العسكري ونوري السعيد، يداه اليمنى واليسرى. وكان للإنكليز مصالح اقتصادية وعسكرية واسعة في العراق. فهم لم يحتلوا العراق كي يستلمه فيصل منهم بسهولة ودون قيد أو شرط. الشرطين الأساسين هما المصالح الافتصادية ومرتكزها أمتيازات التنقيب واستخراج النفط، والثاني الوجود العسكري لحماية هذه المصالح. وهذا ما ضمنته معاهدة 1930 بين العراق وإنكلترا، التي هيئت ومهدت لدخول العراق عصبة الأمم المتحدة عام 1932. تمت المفاوضات النهائية للاستقلال بالوزارة الثانية لنوري السعيد ووزير دفاعها وخارجيتها صهره جعفر العسكري. سبق تلك كتابة أول دستور (القانون العام) عام 1925، خلال حِقْبَة وزارة ياسين الهاشمي. دستور غير موفق لسببين، الأول منحه صلاحيات واسعة للملك وللسلطة التنفيذية، وتقليل دور السلطة التشريعية والقضاء، وكان المفروض أن يكون العكس. السبب الثاني أن هذا الدستور استثنى من تطبيقه على سكنة الريف، الذين يشكلون 75% من السكان في حينه، ليخضعوا لقانون العشائر الجائر الذي يمنح الشيخ صلاحيات مطلقة أوسع من صلاحيات الملك نفسه. وقد أدى ذلك إلى سيطرة عدد محدود من الشيوخ المتنفذين على مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة، حيث تغيرت أدوارهم من شيوخ يرعون أفراد عشيرتهم، إلى أقطاعيين وبيدهم السوط كي يبتزّوا عرق جبين المزارعين.

أستطاع فيصل الأول أن يحقق الهدف الأسمى بإنهاء الانتداب البريطاني ودخول عصبة الأمم المتحدة ولو بشروط، وهذا إنجاز لا يمكن التقليل من أهميته بأي شكلٍ من الأشكال، خاصة إذا علمنا أن العراق أصبح بموجب ذلك أول دولة عربية حصلت على الاستقلال،  وقُبلت عضواً في عصبة الأمم المتحدة. إلا انه لم يحقق نجاحاً، لا بل اخفق في توحيد مكونات الشعب العراقي لتنصهر في بودقة الوطنية العراقية الموحدة، ويظهر ذلك جلياً في مغزى المذكرة السرية للملك فيصل الأول في آذار من عام 1933 التي جاء فيها:

” وفي هذا الصدد وقلبي ملآن أسى أنه في اعتقادي، لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى،  مستعدون دائما للانتفاض على أي حكومة كانت،  فنحن نريد – والحالة هذه – أن نُشكل من هذه الكتل شعبا نُهذبه ونُدربه، ونُعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب أن يعلم أيضا عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين، وهذا التشكيل “(5)

بهذه المرارة والإخفاق والمسيرة الطويلة المتعبة، تعرضت حالة الملك الصحية إلى متاعب، تطلب منه ذلك السفر إلى سويسرا للراحة والاستجمام والعلاج. إلا انه توفى في اليوم الثامن من أيلول عام 1933 في ظروف وصفت بأنها غامضة. ترك لنا مؤسس الدولة العراقية إرثاً يستحق الافتخار به، ومشروع دولة وطنية موحدة لم يُستكمل حتى وقتنا الحالي. وربما من المناسب أن تتصدر صورته مكاتب وقاعات الدوائر العراقية الرسمية وشبه الرسمية، باعتباره مؤسس الدولة العراقية والأب الروحي للوحدة الوطنية، بدلاً من صور الطغاة والفاسدين، وسياسي الصدفة.

محمد حسين النجفي
22 آذار، 2021

المصادر:
(1) عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية الجزء (1)، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، ص 59.
(2) نفس المصدر، ص65.
(3) نفس المصدر، ص 68.
(4) كاظم نعمه، الملك فيصل والإنكليز والاستقلال، بيروت، الدار العربية للموسوعات، ص 32.
(5) عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، بغداد، دار الشؤون الثقافة العامة، الجزء (3)، ص317.
#نوري-السعيد      #فيصل-الأول         #جعفر-العسكري       #لورنس-العرب       #معاهدة-سايكس-بيكو      #العهد-الملكي     #تأسيس-العراق

http://www.mhalnajafi.org/

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *