تجربة التخبط والتدهور الأقتصادي العراقي (2003-2016)

قبل ايام تظاهر عمال وموظفي معمل سمنت كركوك احتجاجاً على الخطط الرامية لتحويل المعمل من مؤسسة قطاع عام الى مؤسسة استثمارية او بعبارة اوضح خصخصتها. ولربما يتبادر الى الأذهان ان المصنع الذي يضم 1200 عامل وموظف عراقي في حالة من التردي الفني والأقتصادي ولابد للتخلص منه. المشكلة ان هذا المعمل من اكثر معامل الأسمنت العراقية تقدماً من الناحية الفنية وانه حاز على العديد من الشهادات المحلية والدولية التي تشهد له بذلك ومنها شهادة علامة الجودةمن الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية العراقية وشهادة الجودة العالمية (الأيزو) من هيئة الأعتماد البريطانية. السؤآل هو كيف يجرؤ الفاسدون للتخطيط للأستيلاء على ثروة العراق والعراق يعيش في ازمة امنية واقتصادية وسياسية كبرى وخاصة كركوك؟ 

نعم ان التحولات السياسية تؤدي الى تغيير في السياسة الأقتصادية، وان الأزمات الأقتصادية تتطلب حلولا جديدة ربما غير معتادة او ربما تجريبية اوحتى تحمل الكثير من المخاطر في طياتها. ولكن السؤال هو من المستفيد ومن المتضرر من هذه الحلول؟ وهنا اود ان اذكر احد هذه النماذج او التجارب العالمية. كانت روسيا تعاني من ازمة كهرباء خانقة ابان ثورة أكتوبر عام 1917. وعليه طلب لينين ان يجدوا له افضل مهندس كهرباء في روسيا. كان الجواب ان افضل مهندس كهرباء معارض للبلشفية وهو مختفي عن الأنظار. طلب لينين ان يبحثوا عنه فوجدوه وكان يعمل سائق ترام. اعتقلوه كي يأخذوه الى لينين. اوضح لينين للمهندس انه لا يريد منه ان يكون بلشفياً وانما يريد منه ان ينشر الكهرباء في روسيا.  شيد هذا المواطن المعارض للنظام اكبر خزان مائي لتوليد الطاقة الكهربائية الذي مازال يعمل لحد الآن. ذهب النظام السوفيتي وبقيت الكهرباء  التي صممها ونفذها تكنوقراط معارض. ما اعظم لينين في اختياره؟ وما اعظم المواطن المعارض الذي شيد الكهرباء؟ 

اما التجربة العراقية في هذا المضمار فمختلفة جداً. حيث بدأت حينما باشر العهد السابق ومنذ اواسط الثمانيتات بخطوات بأتجاه خصخصة الأقتصاد العراقي عن طريق بيع ممتلكات الدولة والتي هي بعبارة ادق ممتلكات الشعب العراقي وثروته الوطنية. وفي حينها كانت الأسباب الرئيسة هي انشغال الدولة في حرب لا نهاية لها. وفي منتصف التسعينات بدأت المرحلة الثانية لبيع ممتلكات الشعب العراقي للمستفيدين والمنتفعين ممن كانوا ينتظرون الفرص المواتية وبحجة المقاطعة الأقتصادية.  وكانت الصفقات تتم بهدوء والمستفيد الأول والأخير هي عائلة صدام واقربائه وزمرة من المتفاعلين معهم. وبموجب ذلك تم بيع العديد من منشآت القطاع العام ومنها معمل الطين في مدينة الحرية لعائلة خير الله طلفاح على سبيل المثال.

وقد ازدادت الدعوة لعولمة وخصخصة الأقتصاد العراقي بعد عام 2003، نتيجة للنفوذ الأمريكي ورجوع العديد من العراقيين كسماسرة للمستثمرين الأجانب. فبدلاً من ان يبحثوا عن من سيطور الأقتصاد العراقي، وزعوا الوظائف والموارد لهم ولعوائلهم ومن لف لفهم.  ولذلك فقد ارسيت كل المقاولات والعقود في قطاعات النقل والمواصلات والتلفونات والنفط وتوريد المواد الغذائية  وحتى جمع القمامة الى شركات اجنبية تركية و كويتية و مصرية وامريكية واوربية وحُرمت منها الشركات العراقية سواء في القطاع العام ام القطاع الخاص.

لقد لعبت العولمة دورا فعالا في كسر ما تبقى من قوة القطاع العام،  واذلت وافقرت القطاع الخاص وحولته لقطاع طفيلي يعيش على الكومشن والأزمات وفتتات السياسيين والشركات الاجنبية. وحينها كان السياسيون الجدد يتمشدقون بالتحدث  عن مشاريع كبرى وعظمى فوق طاقة القطاع العام والقطاع الخاص العراقيين. وللأسف كانت لعبة كبيرة وخطأ سياسيا واقتصاديا لازال العراق يعاني من نتائجها. واضحى القادة الجدد مشغولين في الكسب الحرام واشاعة الطائفية وتهديم الأقتصاد العراقي الذي ينتج خمسة ملايين برميل نفط يومياً وقدرة لتصدير اربعة ملايين برميل نفط يومياً ويبحث عن من يمنحه قروض لدفع فواتيير الرئاسات والأقاليم ورؤساء الكيانات السياسية والعشائرية والطائفية

كان يجب ان يتم اعمار العراق على ثلاث محاور:

قصير الأمد:

تشجيع واسناد القطاع الخاص الصناعي والخدمي لأعادة تأهيل ما يمكن تأهيله وتوفير ما يتطلبه ذلك من ادوات احتياطية ومواد اولية وبألأستفادة من الخبرة الأدارية والفنية العراقية.  وكان ذلك  قد ادى الى تشجيع القطاع الخاص في مجالات المواصلات والنقل والصحة وجمع القمامة والماء والكهرباء وغيرها.

وكذلك تقوم منشآءات القطاع العام بأعادة تأهيل نفسها عن طريق الصيانة والتصليح واستيراد المواد الأحتياطية المطلوبة. وكان بأمكان القطاع العام بأمكانياته الهائلة من ان يأخذ على عاتقه لعب دور ايجابي، لتلك المرحلة الأنتقالية.

متوسط الأمد:

وهو ما يمكن لكل من القطاعين العام والخاص انجازه خلال الخمس سنوات القادمة. فعلى سبيل المثال لا الحصر تقوم الدولة بتشجيع وتمويل القطاع الخاص ضمن ضوابط قانونية ومالية في قطاع المواصلات والنقل البري، فيما يبني يقوم القطاع العام ببناء البنى التحتية لهذا القطاع مثل بناء الجسور والقانطر وفتح طرق برية ومد سكك حديدية بين المحافظات ومع الدول المجاورة.

بعيد الأمد:

وهو ما يمكن ان يتوقع انجازه خلال العشرين عاما القادمة. وهو التفكير ببناء سدود واحواض مائية لمعالجة مشكلة المياه مع الدول المجاورة. مشاريع الأستثمارات النفطية وتصنيع مشتقاتها كوقود السيارات والغاز السائل. مشاريع ري وبزل واستصلاح اراضي . كيفية الوصول الى مرحلة الأكتفاء الذاتي لزراعة المحاصيل الزراعية الأساسية مثل الحنطة والرز. كيفية تشجيع وخلق مشاريع صناعية تعتمد على مواد اولية يزخر بها العراق مثل المنتجات النفطية، السمنت، الطابوق، تعليب مياه الشرب والمواد الغذائية. كذلك معالجة التصحير من خلال شق القنوات المائية وبناء الأحزمة الخضراء عن طريق زراعة النخيل والحمضيات والأشجار التي تقاوم الريح والجفاف.

كل ذلك لايستطيع ان يقوم به القطاع العام او الخاص بمفرده. ان هذا النوع من المشاريع الضخمة يستحق ان تساهم به الخبرات الدولية والشركات العالمية المختصة، وليس السمسارة في عَمان والمشايخ في الخليج والأمراء في السعودية. وقد يتحدث القائل عن بيروقراطية القطاع العام وعدم كفائته وكثرة العاملين به وقلتة انتاجيتهم. ولنفرض جدلا ان كل هذا صحيح. ولنراجع ما انجزه القطاع الخاص طيلة الثلاث عشر سنوات؟ الجواب معروف لدى الجميع فإن الأنجازات تنحصر في استيراد اردئ نوعيات البضائع من الصين وهدر الموارد المالية وتمويل التيارات السياسية التي نشرت الروح العنصرية والطائفية المؤدية الى انعدام ابسط ماهو مسوؤلة عنه الدولة وهو الأمن والخدمات.

لقد كان بالامكان التغلب على مواطن ضعف القطاع العام من خلال زجه في عملية البناء والتطور خاصة اذا كان الوعي السياسي الجديد لايسمح بالمحسوبية والمنسوبية ويحمل شركات القطاعين العام والخاص المسوؤلية كاملة لما تعاقدوا عليه.  ان بريمر ومن كان حوله قاموا عمداً بعزل منشآت القطاع العام الصناعية والتجارية من لعب اي دور في العراق الجديد تمهيدا لتصفيته وفتح الآفاق امام الشركات العالمية وتحويل اموال الشعب ومصادر خدماته الأساسية لايدي لصوص كبار مصانين غير مسوؤلين ينهبون خيرات البلد بكفائة نادرة ويفلتون من الحساب الى الأبد. وكذلك تم عزل القطاع الخاص العراقي المحلي المنتج سواء في قطاع المقاولات او الخدمات لكي تتاح الفرصة كليا للشركات الاجنبية وسماسرتها ممن هم سياسيون في النهار، ومقاولون في الليل والذين يعقدون الصفقات في اروقة الصالونات الحمراء.

وهنا اود ان ارفع صوتي واذكر السياسين القائمين على تشريع قوانين بيع ممتلكات الشعب بسعر التراب، ادرسوا ماحصل لروسيا ومصر والجزائر من ضياع وهدر وسرقة بأسم الخصخصة والعولمة. ان الأقتصاد لاينموا حينما تنتقل ملكية مصنع من اسم لأخر، من القطاع العام الى الخاص أو العكس، وانما الأقتصاد ينموا حينما نبني مصنعا آخر، ونستصلح ونروي اراضي كانت غير صالحة للزراعة. ان العراق يحتاح حاليا لجهود اعادة بناء واسعة. فنحن بعد ثلاث عشر سنوات بعد التغيير ولازلنا دون الصفر. فالقطاع العام والخاص عليهم مسوؤلية البناء المشترك والمتكامل ما بين الأثنين.

هناك مشاريع لاتعد ولا تحصى فدعونا نبني مشروعا جديدا، حيث ان بيع المشروع القديم لمالك جديد سوف لن يحل المشاكل القائمة بل ربما يعقدها ويأخرها. فعلا سبيل المثال لا الحصر ان خصخصة معمل سمنت السماوة لم يرفع من طاقته الأنتاجية. كان الأجدى بالدولة ان تشجع ذلك المشتري على بناء سمنت سماوة 2، كي يكون  هناك مصنعين وطاقتين ومنافسة وتكامل والبقاء للأفضل.

محمد حسين النجفي

mhalnajafi.org

25 آيار 2016

#الأقتصاد_العراقي#     العراق#      الخصخصة#     القطاع_العام#      الفساد_الأداري_العراقي#        معمل_سمنت_كركوك      #كركوك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *