رمضانيات (2) أموري في الصحن العلوي   

“لا ظلم لا جور، واضح بكل دور، إنته العدل والقانون، إنته نظام لهل الكون”

 كما ذكرت في الحلقة الأولى من أنني كل سنة أذهب إلى مدينة مولدي، مدينة النجف الأشرف في ذكرى وفاة الأمام علي (ع). وفي أحد الأعوام ذهبت مع مجموعة من الأصدقاء، كان من بينهم صديق اعتز به كثيراً لطيبة قلبه وأريحيته، كذلك لانقطاع أخباره عني منذ فارقت أرض الوطن. أنه الأخ الطيب “عبد الأمير حاج هادي حسين” الذي لا يعرف ألابتسامة لأنه دائم الضحك والهزل، لذا لا يمر بمرحلة الابتسامة ثم الضحك، وإنما ابتسامته ضحكٌ من أعماق القلب. على أية حال كان ذلك في نهاية ستينات القرن الماضي، وكنا مجموعة من الشباب، يمكن أن تقول عنا رافضين للواقع ومتمردين عليه بكل أبعاده. لا بل كنا حتى في حالة ضياع بين افكار عديدة ومشاعر مبعثرة هنا وهناك، بشكل غير منظم او مبرمج. رافضين كل شيء، تواقين لما هو جديد ومثير وثوري التفكير.

كان لي مع أموري عدة سفرات منها سفرة الى الشمال، حيث زرنا شقلاوة وصلاح الدين، وكانت من امتع السفرات التي لا يمكن نسيانها وما دار فيها من لعب ولهو بريء وغير بريء.  المهم في ذلك العام قررت أن آخذ أموري معي الى النجف، كي أريه مدينتي العظيمة، مدينة الأمام علي (ع)، مدينة الثقافة والعلوم، مدينة الأدباء والشعراء، مدينة المناضلين والثوار الذين لم يهادنوا محتلين او طغاة.

من اليمين رزاق ومحمد حسين وأموري في الكلي شمال العراق
من اليمين رزاق ومحمد حسين وأموري في الكلي شمال العراق يحاولون رميي في الماء القارص البرد

وكالعادة في ليلة أستشهاد أمير المؤمنين، تخرج المواكب من مقراتها بتجاه ميدان النجف، مروراً بالسوق الكبير الذي عادة يكون في رمضان زاهياً  بشرائط المصابيح والفوانيس المعلقة،  والأعلام المرففة، واللافتات التي تعزي المسلمين بوفاة الأمام، حيث المتاجر زاهية بأجمل البضائع التي يتسوقها الزوار، مثل العطور والسبح ومحابس الفضة للرجال. ذهبنا معاً للسوق الكبير حيث ردات المواكب تصدح، لأن السوق مُسقف، لذا يكون الصوت مدوياً ومؤثراً بشكل يهز الأبدان. نظل في السوق الكبير حتى يأتي الموكب الذي انتظره، وهو موكب عزاء “البراق” الذي يدخل السوق متأخراً من الليل الى الصحن العلوي.

سرنا أنا وأموري مع موكب البراق، لاحظت صاحبي في حالة من التفاعل والانفعال، ولكني اعرفه انه لا يعير لهذه المراسيم والعادات أهمية، لا بل إنها جزء مما نحن متمردين عليه. المهم وصل الموكب الى محطته في الصحن العلوي، وبدأ الرادود عبد الرضا بصوته العاطفي المدوي، يلقي قصيدة للشاعر الحسيني عبد الحسين أبو شبع. كنا جالسين القرفصاء وظهرنا متكئٌ على سياج الرواق، وبدأ الحماس يأخذ مجراه، حتى وصل اللطم الى مراحل “النزلة” وهي اللطم الحماسي المتسارع، وإذا بيّ أفاجئ بأموري يخفي وجهه بين ركبتيه ويغطيه  بيديه، وبدأ بالضحك، ولا أرى منه سوى كتفيه يهتزان من شدة الضحك. هنا جن جنوني: “أموري دخليك اسكت، أموري ولك فضحتنه، أموري أستر علينا، أموري ترى والله يطبرونا اليوم، أموري الله يخليك،  أموري………”، وإذا به يرفع رأسه، وهو يجهش بالبكاء وليس بالضحك، كان متفاعلاً مع القصيدة والجمهور، والمشهد المؤثر بما فيها الرادود والكلمات والجمهور والبخور والأجواء المليئة بالعواطف الإنسانية التي تبكي “علي” الإنسانية، “علي” العدالة الاجتماعية، “علي” الزهد، “علي” التبرم عن تفاهات الحياة وترفها، “علي” التواضع والبساطة، “علي” العادل حتى بمحاسبه قاتله. انتهت القصيدة، وبدأ الجَمهور يتفرق وأموري مازال مقفلاً يديه على وجهه. مشاعر إنسانية فياضة دخلت القلب دون برمجة أو إستأذان، مليئة بالمحبة لعمل الخير والعطاء، كما هي رسالة الأمام علي (ع). ومن بين إحدى القصائد التي نظمها
الشاعر عبد الحسين أبو شبع وقرأها الرادود عبد الرضا بحق الأمام علي:
لا ظلم لا جور
واضح بكل دور
إنته العدل والقانون
إنته نظام لهل الكون

محمد حسين النجفي
18 نيسان 2021
موقع محمد حسين النجفي
 يتبع رمضانيات (3)

3 Comments on “رمضانيات (2) أموري في الصحن العلوي   

  1. احسنتم اخي الحبيب ابو عامر
    شاركتنا صداقة اموري معك. مَن قال ان المشاعر تتبرمج او تتنظم ؟ انها العشوائية بعينها ردود افعال لا يمكن السيطرة عليها و خاصة اذا كانت صادقة مثل مشاعر اموري. ان من يضحك من اعماق قلبه لابد له ان يبكي من اعماق روحه الانسانية الصادقة و ليس لانسان حقيقي الا ان يبكي بحرقة لفقد اكمل انسان في الوجود بعد النبي ص بل هو نفسه.
    اخوك الصغير ابو كرار.

  2. عزيزي الأستاذ ابو عامر ابن ولايتي النجف الأشرف.
    دائمًا ما تسحرنا باسلوبك الجميل في التصوير القصصي الذي يجعل المتابع والقارئ ينشد الى القصة وهناك حبكة قصصية جميلة.
    أنت عشت في مرحلة النضوج الأدبي والفكري لهذه المدينة العريقة . وهنالك فطاحل الادب والشعر منهم الجواهري والشبيبي والفرطوسي وكثير من الشعراء.
    وكانت الصالونات الأدبية تقريبا في كل بيت
    حيث التجمع البسيط الكبير لانه يجمع البساطة بالعظمة للموجودين من الأدباء والمثقفين والكتاب والشعراء.
    حتى القصائد الحسينية كانت عبارة عن نقد مباشر للحالات المجتمعية مباشرة وتداوي
    تضع الإصبع على الجرح
    لله درك يابلدي اين كنا وأين اصبحنا
    الأمس كان أجمل
    والسلام ختام
    اخوكم رؤوف الخمايسي

    • أحسنتم الأضافة حاج رؤوف. نعم كانت النجف وإن شاء الله مازالت من المراكز المهمة للأدب والثقافة. حيث لا يعلم الكثيرون ان مدينة النجف تحوي مطابع لطبع الكتب اكثر من الموصل والبصرة، وان الجمعيات والمنتديات الثقافية، اعدادها تتجاوز ما موجود مقابلها في بغداد والموصل والبصرة. شكراً لأهتمامكم واضافتكم المهمة. خالص تحياتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *