رمضانيات(3): دروس مبكرة في العطاء

الحاج رضا النداف 1959

“لقد كان جدي قريباً للأئمة الأبرار بأعماله، لأنه كان يقضي وقتاً كثيراً في العمل الصالح، ووقتاً أقل في التعبد والزيارات”

العِلاقة بالأب والأم  مليئةٌ بالمحبة والاحترام في معظم الأحيان، إلا أن العِلاقة بين الأحفاد والأجداد، علاقات لا تشوبها سلبيات التربية في المحاسبة والقصاص والتعنيف القاسي في بعض الأحيان. وبما أنني كنت أول وأكبر الأحفاد بالنسبة إلى بيبي (جدتي) وجدي من ناحية أمي، فقد كنت قريباً أليهما كثيراً ومُدللهما.  

ومن بين أهم ذكرياتي مع جدي هي، حينما كان يأخذني معه إلى كربلاء والنجف والكوفة، وكان عمري ما بين التاسعة والإثني عشر عاماً. رحلة ثنائية تبدأ عصر يوم الخميس من منطقة الشواكة حيث سيارات التكسي خمس نفرات التي تعمل على خط بغداد- كربلاء، وخط بغداد- نجف. نصل كربلاء قبل غياب الشمس، حيث نبدأ بزيارة الأمام الحسين (ع) ثم اخيه العباس (ع). وبعد أداء مراسيم الزيارة، يبدأ جدي رحلته في السوق القديم، يسلم على الكثيرين، ويعرفه العديد من التجار. بعد ذلك ندخل في درابين (ازقة) كربلاء القديمة المتشعبة من السوق. البيوت شعبية وقديمة، يقف أمام باب أحد الدور ويطرق الباب. تأتي امرأة من وراء ستار خلف الباب، ينظرون إلينا من زاوية الستار، “أهلا حجي أبو مهدي، سلام عليكم،  تفضل حجي”، يجبهم جدي “لا شكراً، بشروني شلونكم، شلون فلان وفلانة وفلان”. يسأل عن العديد من الأشخاص الذين لم اسمع بهم سابقاً في حياتي.  واقف جنب جدي، لا دور لي في الكلام، ورأسي يصل إلى جيب صايته الجانبي (الملابس التقليدية، انظر إلى الصورة)، ألاحظ أن يده في داخل جيبه، وكأنها في حالة مخاض مستمر. يسحبها قليلاً ثم يتراجع، يحاول مرة ثانية وثالثة بشكل متردد، إلى أن يسحبها وكفه مغلق على شيء ما بداخلها، ويمد يده ويقول بما معنا، تفضلي حجية، واعذرينا من التقصير. ردود الفعل مليئة بالكبرياء، وعدم التقبل، ومرة أخرى يدعوننا إلى الدخول إلى البيت، وهو يرفض طبعاً.  في هذه الأثناء يسألون عن بيبيتي وأمي وأبي وعن أناس آخرين لا اعرفهم. في نهاية الأمر يفرض نفسه عليهم ويرغمهم على أخذ ما في يده.

“منو هذوله جدو؟”  “انهم يقربون لنا من بعيد جدو”، …….. نستمر للبيت الثاني والثالث والرابع. نفس الطريقة، ونفس الموال. لا يقبل الدخول للبيوت، وكل البيوت تسكنها نساء فقط. ولا أعتقد إن الأمر كان عفوياً، وإنما مقصوداً. حيث إن هؤلاء السيدات، إما مطلقات أو أرامل، أو أية حالة اجتماعية أخرى هو اعلم بها. ولكن معظمهم من ذوي القربى المتعففين الذين ظروفهم المعاشية صعبة. كان يتكلم معهم باللغة العربية، وقسم منهم يتحدثون عربي وفارسي مخلوط، وقسم عربي مكسر، والنساء الكبيرات في السن لا يتحدثنه سوى باللغة الفارسية،  وكان يتكلم معهم بالفارسي التي كان يجيدها.

بعد ذلك نذهب كي نتعشى أو نفطر إن كان رمضان، في احد مطاعم السوق، ثم نذهب إلى الفندق (خمس نجوم شعبي!!!)، وننام في السطح على الجرابي (الأسرة). ومن السطح نرى قبة الأمام الحسين وقبة العباس (عليهم السلام). وبعد قليل من الوقت يبدأ الهواء بالتغير تدريجاً من كونه حار جاف، إلى ناعماً رطباً لندخل في نوم عميق حتى الصباح الباكر حيث نصحوا على آذان الفجر من مآذن العتبات المقدسة قبيل الفجر بقليل، يتبع ذلك بزوغ أشعة الشمس الصيفية التي تحرق العيون.

لا أتذكر كثيراً مراسيم زيارتنا للأئمة مع جدي بوضوح. الذي أتذكره أن زيارته سريعة لإنه يريد ان ينجز مهام اجتماعية وعائلية. أتذكر انه كان يحب منطقة “خيمكة” (الخيم الزينبية)، حيث كانت منطقة قريبة من الصحن وواسعة ومناسبة لاستراحة الزوار. وفي اليوم التالي نبدأ رحلة بـ “الربل” (عربانه يجرها حصان)، وهي رحلة ممتعة لمناطق خارج مركز كربلاء القديم.  كنت أحب ركبة الربل فهي ممتعة جداً. كنت أراقب فيها الحصان أكثر مما أشاهد معالم الطريق. أما فيما يتعلق بجدي فإنه كان يكمل مهمته، لتفقد بقية العوائل المحتاجة. يتوقف الربل أمام بيوت يعرفها جدي جيداً، ليقوم بنفس المهمة دون تعب او ملل. وفي مناسبات أخرى كان يصطحبني معه إلى مدينتَيْ النجف والكوفة ليؤدي نفس المهمات العائلية.

واليوم وبعد مرور ستين عاماً لازلت أتذكر جدي وما كان يقوم به نيابة عن نفسه وعن والدي الذي كان جدي يرعى مصالحه آنذاك. اليوم أتذكر جدي رحمه الله، وأتساءل لماذا لم يأخذني جدي إلى مدينة الألعاب أو الى السينما أو لمتنزه أو أماكن لعب الأطفال أو أن يشتري لي دوندرمة (بوظة)، لكان قد ادخل السرور إلى قلبي كثيراً وأنا طفل صغير، ولتذكرت ذلك له بإمتنان. هل كانت تلك الرحلات الثنائية، عفوية غير مقصودة؟ ام انها كانت تربية من نوع مميز وبطريقة متقدمة، ذات هدف سامي بعيد الأمد، لا تجده في كتب التربية الحديثة؟ فما الذي اراد ان يصل اليه جدي؟ من المؤكد انه أراد أن يعطيني درس في الكرم والعطاء وتفقد المحتاجين بطريقة يصون بها كرامتهم وحفظ ماء وجههم؟ لم افهم الموضوع في حينه، ولكن التكرار في الزيارات معه جعلتني أدرك نبل عمله وسعة كرمه. لقد كان جدي قريباً للأئمة الأبرار بأعماله، لأنه كان يقضي وقتاً كثيراً في العمل الصالح، ووقت أقل من ذلك في التعبد والزيارات.  رحمك الله جدي، رسالتك وصلت منذ الطفولة، ونتمنى أن  نكون عند حسن ظنكم.
محمد حسين النجفي
#رمضان    #النجف-الأشرف     #كربلاء        #محمد_حسين_النجفي
27 نيسان 2021
15 رمضان
موقع محمد حسين النجفي
يتبع رمضانيات(4)

 

6 Comments on “رمضانيات(3): دروس مبكرة في العطاء

  1. رحم الله جدك وسائر أمواتك أبا عامر
    هذا درس بألف درس
    هذه هي التربية الصحيحة والعملية التي تؤثر في الأبناء والأحفاد والأجيال
    شكراً لتدوين هذه الصورة الرائعة فإن الاجيال اللاحقة إن لم تر مثل هذه الصورة النموذجية بسبب اختلاف الثقافات أو اختلاف الضروف أو غير ذلك فعلى الأقل تبقى صوراً تحفر في ذاكرة ووجدان الفطرة السليمة للأجيال اللاحقة إن شاء الله وتورثهم الأخلاق وروح العمل الصالح وإن بعد الزمن وتوالت الحقب

    أحسنت

    • أحسنت الوصف سيدنا الفاضل، فالإنسان يتعلم من سلوك الآخرين أكثر مما يتعلم من نصائحهم.
      بوركتم سيدنا من مدرسة في العطاء والإرشاد.
      خالص الود والاحترام

  2. اخي العزيز ابو عامر بارك الله فيك لتدوين هذه الذكريات الجميلة عن جدنا الراحل منذ امد بعيد وهنيئا لك لذكرك اياه في هذا الشهر الفضيل وهذه الايام المباركة ونحمد الله كثيرا لاننا ولدنا ونشأنا وترعرعنا في عائلة قذف الله في قلوبهم الايمان وحب اهل البيت ع وحب مساعدة المحتاجين دون مقابل فهي من نعم الله علينا حفظك الله ورعاك في درعه الحصين من كل سوء ان شاء الله

  3. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
    في عمله هذا دروس وعبر عديدة إبتداءً من دروس تربوية لليافعين وانتهاءا بترجمة عملية لمفهوم الدين في التكافل الاجتماعي وما دعا اليه الامام علي عليه السلام في مساعدة المحتاجين
    احسنت عزيزي ابو عامر
    د. كاظم

  4. احسنت اخي ابو عامر لكتابه بعض ذكرياتك مع جدنا رحمه الله حيث للاسف لا نذكر منه سوى القليل لصغر سننا انذاك وياريت لو كنا عشنا هذه الذكريات الجميلة ولكني ولله الحمد عشتها مع جدتي رحمها الله حيث حصل معي ذات الشيء ولكن مع اختلاف في غرض الزياره والعباده حيث كانت جدتي تشتاق بشكل مو طبيعي للزيارات والتردد على اضرحه الاءمه وقراءه القران وكنت اجلس بجانبها انتظرها حتى تنتهي ولا اتضجر ولا كلمه واتركها تنتهي براحتها وبعدها نذهب الى مطعم لاكل الكباب ذو الراءحه التي لا توصف كنت استمتع كثيرا صحبتها منذ الصغر الله يرحمهم واسكنهم فسيح جناته

    • اختي العزيزة ام وسام، كانت جدتك وأمكِ تقومان بذات الشيء على طريقتهم الخاصة. فهم المدافعين عن النساء المظلومات في العائلة، مهما كلفهم الأمر. أنا متأكد من ان جدي الذي كان يقيم مجلس في بيته عشرة أيام في رمضان متدين جداً، ولكن رحلاته معي كانت مركزة على اداء واجب العطاء تحياتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *