نعمة البكاء

البكاء لغة وتعبير وشعار وسلاح ونعمة يجب احترامها واعتبارها، فهل يحق للرجال البكاء؟

جزء من مكونات المرأة الأساسية هو رقتها وحسها المرهف وعاطفيتها الجياشة. وكل هذه الصفات الشفافة تجعلها بالغة الأحساس وشديدة التفاعل مع المشاعر لحد انها لا تسيطر على ردود فعل كيانها، حينما تنهمر دموعها دون وعي منها وحينما تجهش بالبكاء عند الألم او الأسى او الأذية او الأضطهاد الجسدي او النفسي. والبكاء هو اللغة الوحيدة التي يمتلكها الأطفال للتعبير عن جوعهم وألمهم وعن وحشتهم، ولا يسكتون حتى يشبعوا ويرتمون بحضن امهم الحنون.

وعلى اساس ما سبق فإنه يحق للمرأة ان تنغمر عيناها في البكاء وتسكب الدموع مدرارا. ويحق للأطفال البكاء والصريخ حتى يحصلوا على ما يريدون.  ولكن هل يحق للرجل ان يبكي؟ هل يحق له النحيب والبكاء؟ هل يحق له ذرف الدموع امام الآخرين؟ واخيراً هل يحق له اظهار ضعفه، والبكاء امام النساء؟

الجواب على ذلك هو ان الرجل دم ولحم مثل المرأة ولا يختلف عنها، انما العادات والتقاليد والأعراف منحت الرجل صفات ليس بالضرورة هو اهل لها. ومن بين ذلك صفات الرجولة والخشونة والقوة والبأس والتحمل والصبر والعقلانية. وهذه صفات معاكسة لما توصف به المرأة من قبل المجتمع واعرافه وتقاليده وتوقعاته.

وللحق اقول ياصاحبي: ان الغصة في قلبي ثابتة نابتة، لا تفارقني سواء اكنت فرحاً او حزيناً.  واني كثير البكاء ساكب للدموع لا سيطرة لي عليها ومحرجة لي في كثير من الأحيان. فلماذا ابكي يا صاحبي؟ اهو بسبب الحزن الأبدي الذي هو في اعماق كل نفس عراقية؟  ام هو بسبب حبسة الغربة الكابسة على صدرنا المتعب؟ اهو بسبب انفعالنا مع الحدث ومع النغم ومع الخبر ومع الصورة المؤثرة؟ ام انه بسبب حسرة هنا وآهات هناك، وذكريات مُرة وأسف على بعض ما فعلنا وندم على الكثير مما لم نفعلُ؟

كل هذا وذاك يبكيني ياصاحبي، فالأغنية الحزينة تبكيني والشعر المرهف يبكيني ووحشة التغرب عن الوطن وفقد الأهل والأصدقاء وذكريات ملاعب الطفولة والأزقة البغدادية وابي نؤاس وشارع الرشيد وشقاوة المراهقة وبنات الجيران، كيف لا تبكيني؟  ومشاهد الظلم والأسى تبكيني، والشوق للأحبة يؤلمني ويبكيني وذكرى فقدان الأب والأم والجد والجدة تعصر قلبي وتخنقني وبقساوة ولا يمر يوم إلا وتبكيني. نعم ومصيبة كربلاء ومصاب ابي عبد الله الحسين يبكيني وسيظل يبكيني مازال هناك نبضن في القلب ودمع في العيون. فالبكاء لغة وتعبير وشعار وسلاح ونعمة من الله يجب احترامها واعتبارها.

محمد حسين النجفي

mhalnajafi.org

ايلول 24 2017

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *