كورونــــــــا وخصخصة الرعاية الصحية

كورونــــــــا وخصخصة الرعاية الصحية

منذ بداية القرن العشرين كانت الرعاية الصحية من بين اهم الواجبات والخدمات التي تقدمها الحكومات لشعوبها. حيث كانت المستشفيات والمستوصفات والعيادات الشعبية من بين اهم المراكز الصحية وافضلها في تقديم الرعاية الطبية لمواطنيها. وهذا لا يمنع من ان الأطباء والممرضين كانوا يقدمون خدمات بعد انتهاء الدوام مساءاً في عياداتهم او في زيارات منزلية للمرضى غير القادرين على التحرك. وهذا ما كان عليه الوضع في معظم دول العالم. إلا انه بعد تحول روسيا من دولة قيصرية الى دولة اشتراكية حُولت الخدمات الطبية لتكون من الخدمات التي تقدمها الدولة حصرياًاً لمواطنيها. تبعها بعد ذلك الدول التي انظمت الى الأتحاد السوفيتي ثم الدول الأوربية الشرقية مثل بولونيا وبلغاريا وجيكوسلوفاكيا التي كانت ضمن الساتلايت السوفيتي.

اما بالنسبة للدول النامية مثل مصر وسوريا والعراق فإن الرعاية الصحية  كانت من اوليات اهتمام الدولة. حيث الكل يعرف انه في بغداد كانت مستشفى المجيدية وكذلك مصح للعزل (الكرنتينه) من الأمراض المعدية، التي اسسها الوالي العثماني عبد المجيد باشا والتي طُورت وتحولت الى المستشفى الملكي عند تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ثم اعيد تسميتها بالمستشفى الجمهوري بعد ثورة 14 تموز 1958. ومن بين المشاريع التي خطط لها مجلس الأعمار في العهد الملكي واستكملت بعد ثورة تموز،  كانت اضافة مدينة الطب في بغداد وانشاء مستشفيات متخصصة ببعض الأمراض وفي المحافظات، ومنها مستشفى الفرات الأوسط في الكوفة. وكان هناك مستشفى متخصص للامراض العقلية ومستشفى التويثة للأمراض المعدية والتي تستخدم لعزل المرضى الذين يصابون بأمراض معدية مثل الجدري او السل. اضافة الى التوسع الهائل في كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان وبكلوريوس التمريض.

مستشفى المجيدية عام ١٩٠٠

كانت الدولة في العهود الملكية في مصر والأردن والعراق تقدم اهم الخدمات الأساسية للحفاظ على ولتطوير المجتمع وهي: الأمن والأمان، التربية والتعليم بضمنها التعليم الجامعي، والرعاية والخدمات الطبية، واخيراً توفير السلع التموينية مثل الخبز والرز والسكر والشاي. وارجوا ان اعيد الذكر من ان هذه الدول لم تكن اشتراكية ولا شيوعية وانما كانت ” دول” بمعنى الكلمة من هذه الناحية.

ومن بين ضحايا الحرب الباردة وسقوط الأتحاد السوفيتي وتغير الأوضاع السياسية ما قبل الربيع العربي وما بعده هو اضمحلال دور الدول في رعاية شعوبها. ومن بين اهم الأسباب لذلك ان العديد من الدول تحولت الى دكتاتوريات مقيتة خنقت الانفاس مثل مصر وسوريا والعراق، اوديمقراطيات طائفية ومحاصصية فاسدة مثل لبنان وعراق اليوم. ونتيجية لهذين النموذجين اللذين اصبحى السمة الغالبة على طبيعة السلطة في عموم دول العالم الثالث، نمى شعور بعدم الثقة في الدولة وكل ما تقدمه من خدمات ومنها الخدمات الطبية. واذا اردنا ان نأخذ العراق نموذجاً فإن  الدولة ما بين عام  1979 الى 2003 لم تهتم بالخدمات وانما ركزت على الحروب وعلى الحفاظ على عرش السلطة. ومنذ 2003 ولغاية اليوم،  فإن الطبول تقرع لتنمية القطاع الخاص في كافة المجالات ومنها الخدمات الطبية. إلا ان الفساد المالي والمحاصصة والتصور الخاطئ الذي قدمه بريمر من ان الدولة غير مسؤولة وامنحوا الفرصة للقطاع الخاص، ادت دورها بشكل فعال لأنكفاء ما تبقى من الأمكانيات الخدمية في المستشفيات الحكومية.  إلا انه لم ينهض بالقطاع الطبي الخاص الذي بقى عاجزاً عن سد الفراغ ولعب الدور الذي كان متوقعاً منه. كذلك فإن غياب الأمن والامان ادى الى هجرة اكفأ الأطباء والمتخصصين الى الأردن والأمارات ومن هتاك الى العالم الغربي.  لذا نرى اليوم حتى غير المتمكنين مالياً يذهبون للخارج لغرض المعالجة الطبية حتى لابسط العلاجات او العمليات المتعارف عليها، مثل عمليات القلب والعيون والأمراض المزمنة. واصبحت لبنان وتركيا والهند وبريطانيا وغيرها من المحطات الطبية الاساسية لعلاج العراقيين.

واليوم وكورونا فايرس الكارثي ينتشر في كل  بقاع العالم، ونرى كيف ان الدول المتقدمة طبياً في العالم بقطاعها العام الكفوء مثل الصين وروسيا واوربا والدول التي تتبجح بكفائة وتقدم الطب فيها بقطاعه الخاص مثل الولايات المتحدة، نرى الأثنين في حالة من الذهول والعجز وعدم الكفاية والكفائة. فما بال الدول التي خدماتها الطبية العامة مستهلكة وقطاعها الطبي الخاص طفيلي وغير انساني وغير كفوء على اية حال. اما الصحة العامة والرقابة والتفتيش الصحي فإنها شبه معدومة وضعيفة وخاضعة لفساد اداري ومالي كارثي. السؤآل هو ماذا سيكون مصير هذه الشعوب التي اليوم هي في بدايات انتشار هذا المرض الفتاك فيها. لابد من اعادة النظر في حجم وكفائة الخدمات التي يجب ان تقدمها الدولة لمواطنيها ومنها الخدمات الطبية، لأن مثل هذا الوباء وغيره ربما سيتكرر، وكما لاحظنا فإن العلاج يجب ان يكون محلياً لا في الهند ولا لبنان ولا بريطانيا، لأن كل الدول تمنع السفر، وتصيح واروحاه.

قراءات في نفس الموضوع:
مناجات في زمن الكورونا
 محمد حسين النجفي
15 نيسان 2020
www.mhalnajafi.org

مناجـــــــــــات في زمن الكورونـــــــــــــــــــــــــــــا

مناجــــــــــــــات في زمن الكورونـــــــــــــــــــــــــــــا

نحن والتلفاز متقابلين. نستمع اليه ونحن في حالة من الذهول. لا يحق لنا الكلام وكأننا ملثمين.  

نحن والتلفاز متقابلين.

سلطته اوسع من سلطتنا. صوته اعلى من صوتنا. معلوماته ادق من معلوماتنا. واخباره ابداً لا تسرنا

فمن نحن؟

نحن اللا حول ولا قوة. نحن المستمع الاخرس. نحن السميع المطيع. نحن الذين بدأنا نعيد النظر في الحياة. بالأولويات. بالصالحات الباقيات.

البشرية كانت بحاجة ماسة إلى صحوة. الى كفخة على ذلك الرأس المتحجر. كفخة على التكبر والجبروت. كفخة على الحسب والنسب. كفخة على المال والجاه.

كفخة على الأنانية والأنا ولا احد سواي. كفخة على النصب والمناصب.

هل مازال بعض الوقت للتصحيح؟  انه وقت قليل وثمين. وقت يحسب علينا بالأيام والساعات والدقائق.

دعونا نبحث في اعماق نفوسنا كي نعثر عما تبقى من الطيبة فيها. دعونا نزرع مأكلنا. دعونا نخيط ملابسنا. دعونا نطبخ مأكلنا. 

 دعونا نعمل شئ للمحتاجين. دعونا نحرث الأرض ونحفر لماء الشرب بير. دعونا نمنع الداء ونكتشف الدواء.

دعونا نكلم خالقنا. دعونا نكلمه عبر الأثير دون واسطة أو نذير، دون كنيسة أو جامع أو وسيط.

دعونا نكلمه عن معانات الآخرين. عن جوع المحرومين. عن مظلومية المستضعفين. عن عوز المشتتين. عن عرق جبين الكادحين.

دعونا ننحني لجهد الآخرين. دعونا ننحني بخشوع واجلال للمضحين في حياتهم كي يعيش الآخرين.

دعونا نقبل ايادي الأطباء والممرضات والذين في حقل الطبابة متورطين. دعونا نقولها بصوت عالٍ إننا لهم ولأمثالهم مدينين.

دعونا ……………

محمد حسين النجفي

11 نيسان 2020

مولود الجايجي وسوق الشورجة

” مولود الجايجي استطاع ان يقدم السكن والخبز والثقافة والكرامة لأبنائه من تلك الچايخانة المتواضعة ……  وقدم لعائلته ما لم يستطع الكثير من الميسورين من تقديمه لأبنائهم”.

قبل ستين عاماً في سوق الشورجة ببغداد:
لم يكن مولود الجايجي رئيساً لغرفة تجارة بغداد، ولا من كبار تجارها. لم يكن ابو عدنان من اغنياء بغداد ولا من اعيانها. ولم يكن ابو عدنان من الحسب او النسب الذي يحمل الألقاب التي تأهله للتأفف عن عامة الناس . كان عمي مولود الجايجي (وهكذا كنت اسميه حينما كنت صغيراً في العمر) مشهوراً كأفضل جايجي في سوق الشورجة صنف الزجاجيات والفرفوريات. يعمل بجدية وحماس من خلال بسطة چايخانة غير نظامية على حائط في مقدمة الدربونة (زقاق  ضيق) يؤدي في نهايته الى جامع قديم، وهو جامع حسين بن الروح (وهو احد الأئمة الذين من المعتقد سينهضون عند ظهور

مولود الجايجي 195

 صاحب الزمان لموآزرته). كان ابو عدنان يعرف اذواق زبائنه، منهم من يحب الشاي سنكين (طوخ) ومنهم من يحبه وسط. منهم من يحب ان يشربه دشلمه (استخدام القند) ومنهم من يحبه سكر قليل . يعرف اذواقهم واحداً واحد، لذا لا داعي ان توصيه كل مرة. كان يستخدم ثلاث قواري يداور الشاي بينهما من واحد لآخر كي يخرج بتركيبته النهائية. واذا لم يكن لديه شاي مخدر (مهدر) جديد يطلب من الزبون الأنتظار. لم يستخدم صينية لحمل لعدة استكانات من الشاي وانما كان يجمعها فوق بعضها البعض ليحمل في كلتا يديه ما لا يقل عن ثمانيةاستكانات اذا تطلب الأمر. 

اناديه عمي  ويناديني عمي، وهي حالة نادرة متوارثة في التراث العراقي. حيث ينادي ابن الأخ عمه بكلمة “عمي” وينادي العم ابن اخيه “عمي”. وهذا ينطبق على العمة والخال والخالة.  اناديه عمي لأنه من عمر والدي، وانا من عمر ابنه عدنان لذا يناديني عمي محمد حسين. اهم ما كان يميز العلاقات الأنسانية في سوق الشورجة هو الاحترام والتقدير الواضح بين الكبير والصغير، بين التاجر والحمال، بين الغني والفقير، بين الأسطة والصانع. الكل ينادي البعض بأبو فلان سواء بأسم الأبن الأكبر او البنت البكر. وبالنسبة لغير المتزوجين هناك كنية متعارف عليها. فمثلاً كل علي “ابو حسين”، وكل حسن “ابو فلاح”، وكل فاضل “ابو العباس”، وكل عبد “ابو النجوم” ……… الخ. اما انا ولأن اسمي مركب “محمد حسين” فكان معظمهم يناديني “ابو جاسم” والبعض يناديني “ابو علي”.

كانت علاقتنا مع موظفينا وعمالنا علاقات صداقة وحب واحترام. ولا ادري ان كان ذلك في كل الأزمان ام لأن تلك الفترة كانت ما بعد ثورة تموز 1958 التي خففت كثيراً من مظاهر التباين الطبقي والتأفف البرجوازي تجاه الناس الأقل ثقافة او منصباً. لذلك كان ابو عدنان من المحترمين في مجتمع التجار، وخاصة من قبل ابي والتجار الذين اعرفهم في محيطنا. تراه في الصورة الأولى واقفا جنبنا بمنتهى الثقة والشموخ.  وفي الصورة الثانية تصورت مع سعيد وخاله جبر وهم من مستخدمي جارنا ومنافسنا التاجر جابر مهدي البزاز. سعيد كان دائماً انيقاً ومتألقاً وخاله جبر شخصية هادئة لا تفارق الابتسامة سمارة وجهه المملوء بالحنية والطيبة. ومن الملاحظ ايضاً الصورة الكبيرة للزعيم عبد الكريم قاسم وبجانبها صورة لمريم العذرة، وهي دلالة على انفتاح وتقدمية عائلتي. 

العراق، بغداد، سوق الشورجة، 1959من اليمين مولود الجايجي،     تقي كرماني، محمد حسين، خالي كريم ، خلف المكتب صورة الزعيم عبد الكريم قاسم

كان عدنان ابن مولود الجايجي من عمري وكان يأتي في العطلة الصيفية الى الشورجة مثلي كي يساعد اباه. عدنان لم يكن كسائر الأحداث في عمرنا، كان من المهتمين في الدراسة ومن المبتعدين عن اللهو واللعب، لذلك كان منتظماً ومتفوقاً في دراسته. وكنا نتحدث كثيراً في كل الأمور بمنتهى الصداقة والأريحية خاصة في السياسة، الى ان تكالبت الأحداث الدامية في الموصل في آذار 1959 وكركوك في احتفالات تموز 1959*. كان معظم افراد عائلتي وانا واحد منهم من المحبين للزعيم عبد الكريم قاسم، ولذلك كان يتصدر محلنا صورة كبيرة له.  ومن الجدير بالذكر انه بعد هذين الحدثين المؤسفين تحول  نهج الزعيم عبد الكريم قاسم من التوافق مع الخط اليساري متمثلاً بالشيوعيين وحزب البارتي (الديمقراطي الكردستاني) الذين كانوا من اشد المتحمسين في تأييده، الى خط معادي لهم ونهج متنكر لهم

.ملقياً عليهم كل اللوم،  كما اكد ذلك في خطابه حينما افتتح كنيسة مار يوسف في 17 تموز 1959 وتسميته لهم بـ “الفوضويين” وتركيزه على انه فوق الميول والأتجاهات

٢٣/٨/,بغداد, سوق الشورجة, من اليمين: سعيد, جبر واقفا, تقي كرماني جالسا ومحمد حسين
العراق، بغداد، سوق الشورجة، 23/9/1961، من اليمين: واقفين: سعيد وخاله جبر، جالسين تقي كرماني ومحمد حسين وخلفنا بجانب صورة الزعيم لوحة تمثل مريم العذراء وطلفها   يسوع المسيح

اصبحت هذه الأحداث حديث الشارع العراقي بعد انقسامه الى معسكرين، الأول الشيوعيون والأكراد وموآزريهم والثاني البعثيون والناصريون ومؤيديهم. وبطبيعة الحال اصبح هذا الموضوع مجال نقاش بيني وبين عدنان. كان عمي مولود يتحدث العربية بلكنة إلا انه كان يتحدث الكردية بطلاقية او هكذا تصورت. وعليه كان اعتقادي ان ابو عدنان وعائلته من الأكراد الفيلية الذين كانوا يشكلون نسبة جيدة بين تجار الشورجة ومنتسبيها. الحقيقة التي ادركتها من خلال اسى وغضب عدنان من احداث كركوك انه تركماني وليس كردي. وبالتالي وبعد احداث كركوك اصطف تركمان العراق مع البعثيين والقوميين نكياية بالشيوعيين والاكراد. وحقيقة الأمر ان بواطن الصراع كانت عرقية غُلفت بمظاهر سياسية. 

كان الحديث بيني وبين عدنان يتطور تدريجيا ليكون مؤسفاً ومؤلماً في آن واحد. كان ينظرالى الأمور من خلال مكونه العرقي ومن انهم اقلية وانهم تحت رحمة الاكراد الذين يشتركون معهم في تاريخ مليئ بالصراعات الدموية وخاصة في مدينة كركوك. من ناحيتي كان الأنطباع من ان تركمان العراق لهم ولاء خاص لتركيا ومحبة وتقدير لكمال اتاتورك. كان فهمي لقضية الموصل وكركوك يختلف كثيراً عن المعلومات التي لديه. رأيه كان عاطفياً وعرقياً وذلك لحدوث مذابح على الهوية بين الاكراد والتركمان ولا الومه في ذلك. اما انا فكانت نظرتي سياسية وطنية مقياسها من مع الزعيم والثورة ومن هو ضدها؟ 

احداث الموصل وكركوك عمقت الشرخ بين ابناء الشعب الواحد مازالت آثارها ليومنا هذا. ولكن حقيقة الأمر ان العراق في تلك الفترة شهد صراعاً سياسياً وتدخلات اجنبية خاصة من قبل مصر ومؤامرات متوالية ومتعددة تجسدت في المؤآمرة الكبرى في صبيحة يوم 8 شباط 1963 حين سالت الدماء بلا حدود وليعيش العراق 9 اشهر مظلمة ادت الى تقويض صرح التقدم الحضاري في العراق ليومنا هذا في اعتقادي على الأقل.

 مولود الچايچي ليس من المتعلمين ولم يحمل آراء سياسية متفوقة على المجتمع الذي يعيش فيه، إلا انه استطاع ان يقدم السكن والخبز والثقافة والكرامة لأبنائه من تلك الچايخانة المتواضعة وتلك القواري الثلاث المتميزة الألوان هي اللون الأحمر والأزرق والأخضر، ذات النهايات (الصنابير) (البلبولة) المثلومة والسماور البرونزي العتيق والفحم الكراجي الأسود، ليتخرج ابنه عدنان من كلية التربية الرياضية وليكون احد الحكام الدوليين المهمين في الألعاب الرياضية وخاصة كرة الطائرة، حيث كنت حينما اشاهده متحكما بالملعب بصفارته، اشعر بالفخر بنجاحه، وأتذكر والده الچايچي الشهم الذي خدم الناس بعرق جبينه وقدم لعائلته ما لم يستطع الكثير من الميسورين من تقديمه لأبنائهم.

اما الحوار بيني وبين عدنان فإنه مازال حياً بشكل وآخر ليومنا هذا بين الناس. الكل على حق، والكل مخطئين. الكل ظالم والكل مظلومين. وبين هذا وذاك تهدر الشعوب طاقاتها بثرثرة ابدية، كي ينفرد بنا ويتسلط علينا حكام لا يستحقون الحياة. 

1 نيسان 2020
محمد حسين النجفي
www.mhalnajafi.org

_____________________________________________________________

* لفهم احداث الموصل وكركوك افضل، راجع كتاب حنا بطاطو، العراق: الكتاب الثالث: الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار، الفصل التاسع والفصل الحادي عشر.
** كذلك الرابط ادناه:
احداث كركوك، جاسم الحلواني

 

حلفائنا الجدد: الصين الشعبية وروسيا الأتحادية

حلفائنا الجدد: الصين الشعبية وروسيا الأتحادية

انقسم العالم الى معسكرين واضحي المعالم بعد الحرب العالمية الثانية. الأول المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة واوربا الغربية، والثاني المعسكر الشرقي بقيادة الأتحاد السوفيتي ودول اوربا الشرقية. اما دول العالم الثالث (النامية) الغير مرتبطة بحلف واشو او الحلف الأطلسي، فإنها وحدت نفسها بما يسمى منظمة دول عدم الأنحياز التي تأسست في باندونغ، اندنوسيا في  عام 1955، بقيادة نهرو وسوكارتو وعبد الناصر. إلا ان حقيقة الأمر لم تكن هذه الدول غير منحازة كلياً. فمنهم من له علاقة وثيقة بالمعسكر الشرقي مثل الهند واندنوسيا ومصر، ومنهم من له علاقة متينة مع المعسكر الغربي مثل تركيا وايران والسعودية.  كانت هذه الدول النامية تعتمد على حاميها في كلتا المعسكرين حتى وإن لم يكن هناك تحالف رسمي موقع من قبل الطرفين. فحينما رفض صندوق النقد الدولي تمويل بناء السد العالي في مصر تقدم السوفيت ومولوا وبنوا السد العالي دون شروط مالية او سياسية. وحينما احتل صدام الكويت عام 1990 انبرى المعسكر الغربي بقيادة امريكا لتحرير الكويت ولم يكن هناك من تحالف وانما تبعية سياسية.

إلا انه بعد سقوط الأتحاد السوفيتي وجدار برلين مطلع تسعينات القرن المنصرم، اضحت الدول النامية المعتمدة على السوفييت في حمايتهم وتسليحهم وتنمية اقتصادهم، في حيرة من امرها بعد انعدام توازن القوى وانفراد قوة عظمى واحدة في السيطرة على العالم. وبذلك خضعت كل دول عدم الأنحياز الى الشروط الغربية في التنمية وعدم محاججة الولايات المتحدة في سياستها الخارجية.

تغير العالم بعد صعود بوتن لدفة الحكم في روسيا الأتحادية عام 2000، ووصول شي جي بينغ عام 2012 وتطوير الحزب الشيوعي الصيني من سياساته واتباعه اقتصاد السوق. روسيا بقيادة بوتن اعادة بناء اقتصادها الوطني وابعدت المستشاريين الأمريكان، وتدريجيا اخذت بتطوير علاقاتها السياسية والأقتصادية مع دول العالم الثالث التي كانت لها علاقات حميمة معها اثناء فترة الأتحاد السوفيتي وتطوير علاقتهم تدريجياً معهم وسوريا خير مثال على ذلك.

هناك توافق وتحالف ضمني بين روسيا الأتحادية والصين الشعبية على منافسة المعسكر الغربي الذي لازال قائما (حتى لو كان في مرحلة الأحتضار) بالرغم من انحلال المعسكر الشرقي المنافس. هذا التوافق واضح جدأ في قرارات ألامم المتحدة ومجلس الأمن واستعمالهم لحق النقض لحماية الدول الضعيفة.

الصين الشعبية وروسيا الأتحادية خلال العشر سنوات الماضية اثبتوا قدراتهم في التعامل السياسي والأقتصادي الأفضل مع دول العالم الثالث، وبدأوا يمدون قضبان السكك الحديد في عموم افريقيا ويبنون السدود والموانئ والمصانع في عموم العالم في شروط افضل بكثير من مساعدات صندوق النقد الدولي وبقية الموؤسسات الدولية التي تكبل هذه الدول في شروط قاهرة.

واليوم ومع استفحال ازمة كورونا فايرس، نرى دولتين فقط تقدمان المساعدات الطبية من اطباء وممرضين ومعدات ومستلزمات الى الدول الأخرى هما الصين وروسيا. فهاهم يمدون يد العون لأيطاليا وايران والعراق وسوريا والفلبين والباكستان وكل دول الأتحاد الأوربي، وحتى الولايات المتحدة، بعد ان اثبتوا جدارتهم في القضاء على هذه الآفة التي ممكن ان تقرض مدن وشعوب برمتها.

ايتها الدول النامية انتبهوا الى حلفائكم الجدد الذين يمكن الأعتماد عليهم في وقت الرخاء والشدة، الصين الشعبية وروسيا الأتحادية، فهم اليوم بتحالفهم الضمني يمثلون قوة عظمى مناقضة للمعسكر الغربي الذي انحلاله اصبح وشيكا لا محاله وما بريكست بريطانيا من الأتحاد الأوربي إلا الخطوة الأولى لذلك.

مقال ذو علاقة اضغط على الرابط ادناه:

The Death of Superpowers

محمد حسين النجفي
malnajafi@aol.com
آذار 24، 2020
www.mhalnajafi.org

A Shiny Coin in a Stingy Pocket

“Whenever I get upset, sad or depressed, I take refuge in memories of those early days of my beginning;
remembering the soft palm the gentle touch of that little beautiful decent girl”

A Memory of a Coin’s Journey:

Although I am only a quarter of a dollar, I’m still a very proud coin for many reasons. For one, I am made of a hard mix of fine metals, not like other coins made of brass or copper or the hundred-dollar bill made of printed papers. I am a beautiful rounded shape, dazzling and distinguished by fine details with many meanings. My generation was born in the year 2005, to conglomerate the great American Revolution leadership represented by President George Washington, and to represent the Golden State of California naturalist and conservationist John Muir; admiring Yosemite Valley’s monolithic granite head wall and a soaring California Condor. 

Over time, we find our way through business transactions and trades. Each one of us has its own journey between merchants and the public, banks and companies and grocery stores and taxi drivers. We move from pocket to pocket, cashier to cashier, purse to handbag, hand to hand.

It is in my good fortune that I was traded quickly between banks to be part of the salary of one of its employees, and the next day given to one of his beautiful teenage daughters. You cannot imagine how happy I was when I was touched by those gentle, soft, perfume-smelling fingertips. It is what any coin would dream of. It is the perfect place for an eternal stay. It’s the best way to visit the beautiful places. She took me to school and playgrounds with laughter and joy with the other girls. It’s a dream I could never outdo. In the midst of the joy, I forgot the reason for my existence. I was created for trading, dealing and exchange in the market place. I really want to stay where I am, but how? I have no control of my destiny at all.

At the end of the school day the girls went to the convince store to buy candies and refreshments. It was my time for that soft hand to let me go.  As soon as I was captured by the rough merchant’s hands, I got a chilling sensation, that went through the vein of my metal strength. I felt the terrible difference between the petite, delicate soft palm and the roughness of the high-powered firm grip through which the sunlight will not be seen again.

I said to myself not to worry. Today I am here but tomorrow will be better and I will see much more beautiful places. A day passed and then another but I was still in the pocket of that stingy grocer who showed a special interest in me. But, why? Maybe because I was new, clean and shining? No, I don’t think so. Because I noticed that he sells more than he buys. He saves more than he spends. He selects the coins he keeps. Unfortunately, I was one of the unlucky ones. Then he goes through us every day counting us and organizing us in categories. He counts us one by one with his big harsh hand with a disgusting smell that chokes the breath of Mr. Washington and Mr. Muir.

But then, the day of salvation came. He took me out of the coin box and put me in his deep pocket. He went to the market to buy holiday gifts for his family, stopped at one of the shops and found interest in a toy. He asked about the price and put his hand in his pocket and took a groping, rubbing his hand, hesitating to buy the toy. He bargains the price with the dealer and when the decisive point was reached, his hand narrowed to suffocate me. When he decides not to buy, he relaxes mentally and emotionally and releases his hands of me. He repeated this position several times, but at the end, he bought the cheapest gifts at the lowest prices and paid only some of the money he took with him. Unfortunately, I was unlucky again.

Oh my God! What to do? It is my eternal nightmare which I will not wake up from. I want to get out of this dreaded pocket and from this stinking box. I want freedom as given to us by the American Revolution. I want people to see the Yosemite to promote the protection of our environment.  I want to reach the open air. I want to be traded. I want to travel. I want to be touched by delicate and generous hands. I want to be played with by the most beautiful girl’s fingers and want it to be in the pocket of generous men with pride, who dispassionately compete with their peers by spending more than others to win the heart of their beloved ladies.

Time passes and my journey is a very long one because I am made of solid metal. One thing I noticed is trading and turning over myself and other coins is faster with women rather with men, faster with young rather with elder, faster with poor and slower with rich. But, whenever I get upset, sad or depressed, I take refuge in memories of those early days of my beginning; remembering the soft palm the gentle touch of that little beautiful decent girl.

Mohammad Alnajafi
www.mhalnajafi.org
March, 2020 

 

درهم في جيب بخيل

“واخيراً رحلت في جيب احد المسافرين الى بيروت، الذي استبدلني في سوق الصرافين بالدولار الأمريكي كي ابدأ رحلة كونية غير مستقرة حتى يومنا هذا”

محطات من رحلة درهم عراقي:
على الرغم من انني عُملة عراقية فضية صرفة، إلا انني لست من مواليد العراق. حقيقة الأمر انني من مواليد افضل مسبك للعملات المعدنية في العالم ومقره المملكة المتحدة. لقد وُلدت جميلاً مُشعاً مبهراً متميزاً بالتفاصيل الدقيقة ذات المعاني العديدة والتي فيها زهو وكبرياء لتاريخ حضارة وادي الرافدين. وعند الولادة يجمعوني مع المسكوكات الأخرى ويضعوننا في ملفوف اسطواني شبه كارتوني. نشحن بعد ذلك الى بغداد حيث مقر البنك المركزي العراقي. أنا من مواليد تموز عام ١٩٥٩ في الذكرى الأولى لثورة ١٤ تموز ١٩٥٨. حيث مثل احد جوانبي صورة زعيم الثورة عبد الكريم قاسم والوجه الثاني يمثل شعار الجمهورية الأولى والذي يمثل شمس وإشراقة تموز وسنابل العراق من الحنطة والشعير وسيفين احدهما عربي والثاني كوردي رمزًا للأخوة العربية الكردية. لاحظ ان هذا الشعار استبدل لاحقًا بشعار به نسر متكبر يمثل حاكم مارد بدلًا من ان يكون رمزاً للشعب وخيراته.

وبمرور الزمن نجد طريقنا الى الأسواق للتدوال من خلال المقايضات التجارية. وكل واحد منا له رحلته بين التجار وعامة الناس، بين المصارف والشركات، بين البقالين وسواق التكسي. نتنقل من جيب الى جيب، ومن صندوق الى صندوق، ومن يد ليد ومن حقيبة الى اخرى . ومن حسن حظي انه تم تداولي بسرعة بين المصارف لأكون جزءاً من راتب احد موظفيها. وشاء حظي في اليوم التالي ان يتم اختياري لأكون احدى عُملات مصرف الجيب اليومي لأحدى بناته الجميلات. لا تتصورون مدى فرحتي حينما لامستني تلك الأنامل الرقيقة المعطرة بالبراءة والنعومة. انها كل ما يتمناه اي درهم في الوجود. انها المكان الأمثل للأقامة الأبدية. انها افضل وسيلة كي ازور الأماكن الجميلة التي ستاخذني معها، الى المدرسة والملاعب والضحك مع البنات الأخريات. انها حلم اود ان لا افوق منه. 

وفي غمرة النشوة نسيت السبب من وجودي. وهو انني خُلقت للتداول والتعامل والتبادل في السوق. وهذا ما حدث للأسف الشديد. فبعد انتهاء اليوم الدراسي ذهبت الفتيات الى دكان الحارة كي يشتروا منه الحلوى والمرطبات، وكان مصيري ان تمتد تلك اليد الناعمة الكريمة كي تمسني وتعطيني لصاحب دكان الحارة دون وداع. وبمجرد ملامستي ليدهِ الخشنة احسست بالفرق الرهيب بين منتزه الأنامل الرقيقة وبين خشونة ألاسوار العالية التي لا ترى من خلالها نور الشمس اونسيم الهواء الطلق.

قلت لنفسي، ولماذا القلق؟ اليوم هنا وسأكون في اليوم التالي في مكان آخر افضل واجمل بكثير. ومرت الأيام ومازلت في جيب ذلك التاجر البخيل الذي ابدى اعتزاز خاص بي. لماذا؟ ربما لأني كنت جديداً وناصعاً ولامعاً. كلا لا اعتقد ذلك. لانني لاحظت من انه يبع اكثر مما يشتري، ويدخر اكثر مما يصرف، وينقي النقود التي يحتفظ بها. وللأسف الشديد انا واحد من هؤلاء. ثم انه يتسلى كل يوم ولعدة مرات بعدنا ويتلذذ بأزدياد كميتنا. يحسبنا واحد واحد بيده الكبيرة الخشنة القاسية ذات الرائحة الكريهة التي تخنق الأنفاس. 

وجاء اليوم الذي اعتقدت انه يوم النجاة. حيث اخرجني من صندوقه المقدس ووضعني في جيبه العميق. وذهب بي ومن معي الى السوق كي يشتري هدايا العيد لعائلته. توقف عند العديد من المحلات  الى ان اعجبته احدى اللُعب. سأل عن السعر ووضع يده في جيبه واخذ يتلمسنا ويفركنا ويفركنا بيده ذات الرائحة تخنق الأنفاس من شدة تصبب العرق منها وهو متردد بين الشراء ام عدمه. واخذ يجادل السعر مع التاجر وكلما وصل مرحلة الحسم ضاقت يده علينا لحد الأختناق. وحينما يقرر عدم الشراء يرتاح نفسياً وتطلق يداه سراحنا. تكرر هذا الموقف عدة مرات الا انه في النهاية اشترى ارخص الهدايا وبأقل الأسعار ولم يصرف إلا بعض النقود التي اخذها معه. وانا لست واحداً منهم.

يا للهول! ما العمل؟ انه الكابوس الأبدي الذي سوف لا افيق منه. اريد ان اخرج من هذا الجيب اللعين ومن هذا الصندوق النتن ولا اُلامس هذه الأيادي المغلولة حتى على نفسها وابنائها. اريد الهواء الطلق، اريد الحرية، اريد التداول، اريد الترحال. اريد ان تلمسني ايادي كريمة سخية معطائة. اريد ان العب بين انامل الفتيات اللعوبات واصابع السيدات المتألقات ومحافظ الرجال ذوي الكبرياء والأعتزاز والسخاء والذين بكرمهم  يتنافسون مع اقرانهم في الكرم والجود. رحلتي كانت طويلة جداً لأنني مصنوع من معدن صلب وليس من ورق مطبوع. لاحظت في ترحالي ان تداولي كان سريعا مع الفقراء وبطيئاً مع الأغنياء، سهلاً مع الشباب متعباً مع الكبار، ممتعاً مع النساء مُملاً مع الرجال. واخيراً رحلت في جيب احد المسافرين الى بيروت، الذي استبدلني في سوق الصرافين بالدولار الأمريكي كي ابدأ رحلة كونية غير مستقرة حتى يومنا هذا.

محمد حسين النجفي

آذار 2020 

www.mhalnajafi.org

Remembering My Brother Haj Raad

Two Years Later:
As time passes, the death of my brother Raad becomes more of a reality. We have lost that slim possibility that maybe it was all a nightmare and not true and when we wake up, Raad will still be alive. Around this time, two years ago my son Amer went to see his uncle, followed a few days later by his sister Nada. They went to say goodbye to their beloved uncle they cared for him so deeply while I was under cancer treatment powerless, hopeless, devastated by the doctor’s announcement that my dearest brother days among us are limited.

London 2015

It was so hard for me to call and talk to him, because it meant we were saying goodbye to each other, and that was something we didn’t want to do. And as his elder son Hussein told me later, it was the same for him. His loyal wife Um-Hussein, his dearest sisters Alia and Anwaar, his two brothers Saad and Salam, his closest cousin Saleh and his wonderful children Hussein, Ali, Hasan, Mahdi and Mohammad among many others surrounded him all the time. In his final month, he remained as he always was; in command of his life, never lost faith, generous, and courteous to his waves of friends who were visiting him continuously, day and night.

It was the hardest ordeal for me that I couldn’t be by his bed in his final days. It was heartbreaking for me that the jewel of our family was evaporating from existence before our eyes and we had no say or power to change the sequence of events. We were all paralyzed, physically, emotionally and mentally. Among all, I am the one who knew him all of his life. I am the one who knows him inside and out. I am the one who lived with him without any barriers whatsoever, but I am not at his bedside.

California 1985

Regardless of all that, we strongly believed that a miracle has to happen. God has to interfere to save such a faithful man. Crazy and wonderful things happen in life. We have seen that in movies, we read it in many books, we’ve heard it in so many stories from our grandmothers and grandfathers. Miracles exist and we are waiting for one to surprise us. Miracles and immortality come in many different ways. For Raad, his miracle was his strong command and his unwavering faith even during his final days.  His immortality translated very well, during his Fatiha (فاتحة) proceeding with the outstanding attendance by all the drives of Iraqi community members living in Greater London. I heard from many friends who attended his Fatiha that it was the largest ever. The attendance was not for the sake of anyone. He was not a billionaire. He was not an Iraqi political leader. He was not a high ranking British official. He is not a Sayad or religious scholar.  The attendance was simply to share the sorrow for the loss of a very humble gentleman they know, named; “Haj Raad Al-Najafi” “Abu-Hussein”.

Farewell, brother. You made it. You had a very good life. I am proud to be your brother. Your physical departure is a reality we have to learn to live with, but to be honest, it is not getting any easier. We will always remember you, envy the legendary record of your life, hoping to follow your footsteps and walk in the same direction. You will remain in my broken heart and in my eye’s tears forever. Till we meet again, rest well Hajjie.

 

اللاعب الصغير ومدرسة الحكمة

 “انه لاعب صغير ذو إنجاز كبير، وهذا ما استمرت عليه حياته. دائما يتوقع منه الذي لايعرفه حد أدنى ويستغربون حينما تناطح نتائج أعماله الحدود العليا”
الذكريات:
كان هناك اعتقاد موهوم لدى بعض رجال الدين (وليس المرجعية) وخاصة الشيعة، من ان المدارس الحكومية والأهلية غير الدينية تُدرس مواد علمية وأدبية ربما تتنافى مع التعاليم السماوية. لذا كان بعض رجال الدين ينصحون اتباعهم بأن لا يبعثوا ابنائهم الى تلك المدارس. وهذا ما حدث بالضبط الى والدي حينما كان في الصف الثاني او الثالث الأبتدائي.  حيث انه حينما كان يسير في السوق الچبير (السوق الكبير المسقف) في النجف الأشرف مع والده، صادفهم رجل مُعمم (وليس عالم دين) الذي عاتب جدي لأنه ادخل ابنه “علي” في المدرسة الحكومية، وطلب هذا الشخص من جدي بأن يخرج والدي من المدرسة لأنها حرام. تدخل والدي (وهو في العشر سنوات من عمره) في الحديث دون ترخيص من جدي، وقال له: لكن ابنك معي في المدرسة، لماذا لا تخرجه؟ اعتبر جَدي كلام والدي تحدي وقلة ادب من ابنه، فكفخه على رأسه (ضربه بيده على خلفية رأسه)، وزجر به وفعلاً اخرجه من المدرسة. كان ذلك في حدود عام 1930 في مدينة النجف الأشرف. لقد ادى هذا النهج الى ضعف انتشارالثقافة التعليمية في مناطق الجنوب والفرات الأوسط، لذلك انحسر دورهم في الوظائف الحكومية، بينما اتسع في مجالات التجارة والأعمال الحرة. وبموجب ذلك تغير مسار والدي من الدراسة الى المباشرة في العمل بالسوق الكبير في بيع وشراء اي شيء وكل شيء حسب الموسم وما كان له حاجة في السوق الى ان استقر على التركيز على السلع المنزلية والمطبخية. وكان له صديق من عمره يقوم بذات الشيء وكانوا يأتون الى بغداد لغرض التسوق ويعودون الى النجف معاً. كان هذا الشخص هو الحاج علي مرزة الذي دامت صداقته لأبي ولي شخصيا من بعد ذلك لحين الفراق الأبدي. تطور والدي في التجارة ليصبح من التجار المعروفين في السوق الكبير في النجف في أربعينيات القرن الماضي. ثم لينتقل بعد ذلك الى بغداد للعمل في سوق الشورجة المركز التجاري الرئيس لبغداد وعموم العراق وليكون عضواً في غرفة تجارة بغداد واحد كبار المستوردين للكريستال والفرفوري والسلع المنزلية . 

ونتيجة لما حصل لوالدي في صغره وما رآه من حاجة للثقافة والتعليم عموما ولاهمية تعلم اللغة الأنكليزية خصوصا للأغراض التجارية، كان يسعى ليحصل ابنائه على افضل تعليم ممكن. لهذا السبب ولغيره انتقلنا الى بغداد حيث بدأ مشواري الدراسي بدخول الروضة والتمهيدي والأول ابتدائي في مدرسة راهبات الكلدان، ثم في الصف الثاني الأبتدائي الى السادس الأبتدائي في مدرسة الحكمة الأهلية في الكرادة الشرقية. اعتادت مدرسة الحكمة الأبتدائية الأهلية في الكرادة الشرقية على إقامت مهرجان رياضي ضخم بين سنة واخرى. كان العام الدراسي 1957/1956 هو العام الدراسي لهذا النشاط. وعلى الرغم من ان المدرسة لها مُعلم رياضة وهو الاستاذ عبد القادر، إلا انهم وظفوا مدربا خاصاً متفرغاً للمهرجان وهو الاستاذ انور الذي كان نشطاً ومتحكماً وبشوشاً في آن واحد، لذلك كنا نخافه ونحترمه ونحبنه في نفس الوقت. طبعاً كل الطلاب يُعتبرون من المشاركين في فعاليات المهرجان وخاصة طلبة الصف الرابع والخامس والسادس. ومن بين الألعاب المهمة هي المسيرة العسكرية (يس يم) (Marshall Band). كذلك ركض الـ 100 متر والبريد والقفز والحصان الخشبي (الجمناستك) ووووو. لقد لاحظ استاذ انور التزامي ومهارتي اثناء التدريب فأختارني للمشاركة في نشاط المسيرة العسكرية وركض الـ 100 متر والحصان الخشبي (الجمناستك) وشجعني على التركيز عليها. دعوت امي وابي لحضور المهرجان إلا انهم ليسوا من النوع الذي يحبذ الأشتراك بهذا النوع من النشاطات العامة، لكن

محمد حسين

ابي قال لي شيئاً غير مُشجعاً وهو ان حظي بالفوز بالركض ضعيفاً وذلك لقصر أرجلي. لم افكر بالموضوع كثيراً في حينها، ولكني حينما استذكره الآن اعتقد انه اراد حمايتي من ردود الفعل النفسية في حالة الفشل.

ومدرسة الحكمة من المدارس الأهلية المختلطة التي يمتاز تدريسها بتعليم اللغة الأنكليزية من الصف الأول الأبتدائي. مؤسسها ومديرها كان الاستاذ شوكت زوما الذي استطاع ان يقدم نموذجاً جيداً لما يستطيع ان يقوم به القطاع الخاص في التربية والتعليم، حيث ان المدرسة كانت من حيث البناء والتنسق والنظافة جيدة جداً، كان لدينا قاعة خاصة لتناول الغذاء، وساحة كبيرة للالعاب، وصفوف فرهة وحمامات نظيفة. كان الأستاذ شوكت يحافظ على النظام الصفي بطريق ربما تعتبر قاسية من المنظور الحديث. حيث كان يعاقب الوكحين (المشاكسين)  بالضرب بمسطرة خشبية غليظة، يضربها على كف اليد واحيانا يضرب بالجانب الحاد وليس العريض. اتذكر انه في احدى المرات كسر المسطرة على يديّ من شدة عنف الضربة. وربما كانت هي الطريقة الوحيدة التي يعرفونها او المناسبة في ذلك الوقت. كانت ست ڤكتوريا أخت أستاذ شوكت تساعده في إدارة المدرسة، وهي سيدة من الدرجة الاولى بكل معاني الكلمة. ومن المعلمين والمعلمات الذين اتذكرهم واقدرهم ست “مقبولة” التي درستنا اللغة العربية وست “ثانية” التي علمتنا اللغة الأنكليزية.

كان من زملائي في تلك الفترة مؤيد كاظم الرواف، شكيب عزت السنجقلي، فائز مزهر شنين، صباح نايف جودي،صباح رضا، رعد رزوق اسطيفان، شفيق محمد حسن شاه، محمد رضا قاسم عباس النجفي، خديجة محمود الصراف، سعاد وامل باقرالحريري، احلام عبد الرزاق الحسني، رعد نعيم نعمو، وائل عبد الأمير المرعب، اسعد عباس السعدي، اياد علي عيسى، مصطفى أمين ال عيسى، ايسر زوما، باسم محمد رزوقي، فاروق البعلي، نبيل حسن زلزلة، تغريد ناظم حميد والأخوة موفق وكاظم البياع، صادق حمرة، عدنان عبود عطرچي، ممتازة رديف العبيدي، عماد عبد الجبار الجدوع، منى وحميد وسمية، و خالد وووو.

وجاء يوم المهرجان، وهو يوم مهم لمدرسة الحكمة وللكرادة الشرقية وللأسف لم يحضر اي من عائلتي سوى الصديق حكمت الدقاق. ابتدأ المهرجان الذي كان في باحة المدرسة وكان اهل التلاميذ في ملابسهم الأحتفالية الزاهية يجلسون في موقع عالي (الطارمة) مشرف على باحة النشاط. ابتدأ المهرجان بالسلام الملكي والمسيرة العسكرية، وكان هناك معلق وميكرفون ومصورين. وفعلا كان احتفالا ابتهاجياً تفتخر به مدرسة الحكمة واستاذ انور واستاذ شوكت. كان الجمهور متحمساً ومشاركاً بالهتاف والتصفيق وخاصة المذيع الذي منحني من دون الآخرين لقب “اللاعب الصغير” بعد ان فزت الأول في المارشال باند. اعقبها وهذه كانت مفاجئة للجميع فوزي بالمرتبة الأولى في ركض الـ 100 متر. استمرت السباقات وكان آخرها اهمها وهو سباق العاب (الجمناستك) الذي كنت مشاركاً فيه. كانت العاب الجمناستك تتم على الحصان الخشبي الذي يتضمن قفزات والعاب عليه لتنتهي في النهاية بقفزة من حافة الحصان لنصل الى الأرض واقفين بثبات دون التأرجح او السقوط. كان المذيع متحمساً للجميع إلا انه منحازاً بشكل واضح لـ “اللاعب الصغير” الذي كانت خطواته وقفزاته وثباته على الأرض متميزاً بدقته واناقته.
الحصان الخشبي

حصدت في نهاية المهرجان ثلاثة كؤوس الأول في المارشال باند والأول في ركض الـ 100 متر والأول في الجمناستك، وبالتالي حصلت على حصة الأسد من الكؤوس. وكجزء من مراسيم ختام المهرجان يتم اختيار افضل رياضي او لاعب للمهرجان. وهنا كانت المفاجئة العظمى وهي اختياري ومنحي لقب “بطل المهرجان” ومنحي كأس كبيرة جداً امام تصفيق حاد وصوت المذيع الذي لا اعرفه مغردا بصوت جهوري وواضح لـ “بطل المهرجان اللاعب الصغير”. يوم لا يمكن نسيانه وانجاز لم استطع تكراره إلا بعد ثمانية عشر عاما حينما ناقشت رسالة الماجستير في ادارة الأعمال ودافعت عنها بحرارة ومُنحت اطروحتي درجة “الأمتياز”.

وانا خارج من باب المدرسة استوقفني أستاذ شوكت ليقول لي “عافرم” مبروك الفوز. قلت له شكراً أستاذ. قال عليك ان تعطيني الكأس الكبير كي نحتفظ به في المدرسة ويسجل تحت اسمك. لم يكن في اليد حيلة أعطيته الكأس الكبير وأحسست بالإخفاق بعد ان كنت فرحاً به. كنت أودّ ان آخذ الكأس الكبير لأمي وابي كي يفتخروا بأبنهم صاحب الارجل القصيرة الذي فاز بلقب بطل الاستعراض وسُميّ باللاعب الصغير. خرجت من المدرسة مع الآخرين والكل كان يهنأني ويناديني باللاعب الصغير. انه لاعب صغير ذو إنجاز كبير، وهذا ما استمرت عليه حياته. دائما يتوقع منه الذي لايعرفنه حد أدنى ويستغربون حينما تناطح نتائج أعماله الحدود العليا.
في العطلة الصيفية من عام 1958 وحينما كنا  ما بين الصف الخامس والسادس الأبتدائي حدثت ثورة الرابع عشر من تموز التي هزت مشاعر العراقيين جميعاً، رجالهم ونسائهم، كبارهم وصغارهم، مثقفيهم وامييهم، اغنيائهم وفقرائهم، عربهم واكرادهم. كانت غالبية الناس معها ومع زعيمها عبد الكريم قاسم، وكانت هناك اقلية تتعاطف مع العائلة المالكة. المهم ان الثورة اججت المشاعر الوطنية لدينا مصحوبة بعداء للأستعمار متمثلاً بالولايات المتحدة وبريطانيا العظمى. ولذلك حينما تخرجت من السادس الأبتدائي كان من المفروض ان اكمل دراستي الثانوية في “كلية بغداد” (وهي مدرسة ثانوية اهلية معظم تدريسها باللغة الأنكليزية، بأدارة فاذرية (قسسة) من امريكا، وهذا ما اراده ابي بأصرار. إلا ان “اللاعب الصغير في عمر الثانية عشر تحول الى مناضل كبير!”، لذلك عارضت ذلك بشدة بأعتبارها مدرسة تابعة للاستعمار، وعلينا ان نبتعد عنهم وعن مصادر ثقافتهم. وعليه اكملت دراستي في الثانوية الشرقية مخالفاً بذلك رغبة والدي في الحصول على افضل تحصيل علمي. وعلى الأغلب فإن قراري كان خاطئً ، لأن من المفروض ان التحصيل العلمي مسعى منفصل (اطلب العلم ولو في الصين) عن المشاعر السياسية. ومع ذلك لا اعتقد ان قراري يخلوا من الحدس الصحيح، حيث ان بعض خريجي كلية بغداد تأثروا ببعض مظاهر ونمط الحياة الغربية. ولا اعتقد ان في ذلك مشكلة، سوى انها ليست ما كنت اصبوا اليه في حينها. 
طبعاً  كان ومازال يتفقه علينا اميوا الشؤون الدينية ويدرسونا هذا حلال وذاك حرام وكرروا ذلك حينما اخترع التلفاز، ثم حينما وصل الأنسان وهبط على سطح القمر، وهم لم يتعلموا المعنى الحقيقي للاديان السماوية ونسوا او تناسوا ان اول كلمة نزلت على النبي (ص) في غار حراء هي: “أقرأ”.
شكرا لأبي الذي تعلم من تجربته السلبية، ومنحنا فرصة لم تتسنى له، وشكرا لأمي ربة البيت الأمية التي لاتعرف من القراءة سوى قراءة القرآن الكريم بطريقة الهجاء الملائية، والتي شجعتنا على تحصيل العلم في مدارس الراهبات ولم تجد في ذلك ما يتنافى مع تعاليم الأسلام.
محمد حسين النجفي
25 آب 2019
www.mhalnajafi.org

التقييم الموضوعي لثورة تموز عام 1958

ما زال العديد من المثقفين والمؤرخين يعيدون ذكريات ثورة 14 تموز عام 1958 ويُقيمون تلك التجربة وزعيمها عبد الكريم قاسم من وجهات نظر متباينة جداً. فمعظم اليساريين والشيوعيين موقفهم واضح في التقييم الإيجابي للثورة وزعيمها. وذلك مع أنّ الثورة وزعيمها لم يشاطرهم  نفس المشاعر او التقييم. ويعلم اليساريون عموماً والشيوعيون خاصة انهم لاقوا من الاضطهاد والحيف والعزل والسجون في عهد قاسم اكثر مما نالهم في زمن العهد الملكي.  إلا انهم ظلوا مناصرين ومدافعين عنه بحجة ان     ” تقييمهم للثورة ولعبد الكريم قاسم يعتمد على ما تقدمه الثورة من انجازات تشريعية واقتصادية واجتماعية لعموم الشعب، ولا يعتمد على طبيعة علاقتهم به فقط”. 

اما الذين يقيمون الثورة وزعيمها عبد الكريم قاسم سلباً سواء في فترة حكمه تلك او امتداداً ليومنا الحاضر، فإنهم نوعين: النوع الأول هم المتضررون بشكل مباشر من الثورة، وهذا يشمل العائلة المالكة والحاشية والساسة المقربين لنوري باشا والطبقة الثرية الأرستقراطية. والنوع الثاني هم من تضرروا لاحقا من تشريعات الثورة بسبب قوانين الأصلاح الزراعي وقانون الأحوال الشخصية وهم شيوخ العشائر وملاك الأراضي ورجال الدين. وكان من الطبيعي لهتين المجموعتين ان تحاربا الثورة بشتى الوسائل مستغلة بشكل فعال الحوادث المؤسفة الحزينة التي تم بها تصفية العائلة المالكة وسلوك الغوغاء في سحل عبد الأله ونوري السعيد في شوارع بغداد. وعلى الرغم من ان ذلك كله لم يحدث بأمر مباشر او غير مباشر من الزعيم او من اي حزب سياسي، إلا انها لصقت بهم الى يومنا هذا واصبحت قميص عثمان العراق.

الزعيم عبد الكريم قاسم

الملك فيصل الثاني

وكما يحدث عادة في كل الثورات فإنها تأكل رجالها. حيث حدث الخلاف القاتل بين الزعيم والشخص الثاني من قادة الثورة العقيدعبد السلام عارف. حيث اصر عارف على الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) بينما فضل قاسم ان يتم الأتحاد تدريجياً وبخطوات محسوبة. وهنا قيم البعثيون والقوميون من الضباط والشباب ان الزعيم لا يملك شعور قومي واتهموه بالشعوبية، وزاد في الطين بله ان ايد الشيوعيون قاسم وتفضيلهم للأتحاد الفدرالي التدريجي بدلاً الوحدة الأندماجية. واصبح الخلاف ليس مع قاسم وانما بين القوميين والبعثيين من جهه والقاسميين والشيوعيين من جهة اخرى.

حقيقة الأمر ان عبد الكريم قاسم وتنظيم الضباط الأحرار لم يكن مُحدد بآيدولوجي واضحة المعالم سوى اسقاط الملكية وتأسيس الجمهورية على غرار التجربة المصرية. كان معظمهم ذو اتجاهات ومشاعر “مزدوجة” قومية عروبية من جهة ونهج يساري علماني من جهة اخرى. لذلك انقسم الضباط الأحرار والشارع العراقي في مسألة الوحدة الفورية. وتحولت الى فرصة للخلاف لا اكثر ولا اقل، استُغلت للحشد الجماهيري وللسيطرة على الحكم من قبل البعثيين. وبناء عليه جرت محاولة عبد السلام عارف للسيطرة على السلطة بعد شهرين منها، اعقبتها حركة رشيد عالي الكيلاني  ثم حركة الشواف في الموصل بتنسيق مع المخابرات المصرية بعد تسعة اشهر من الثورة ثم احداث كركوك المروعة بين الاكراد والتركمان بذكرى السنة الأولى للثورة، ومحاولة اغتيال الزعيم في شارع الرشيد و تمرد البارازاني في شمال العراق وقضية الكويت والمشاكل مع ايران ومصر والأردن وغيرها لتتكلل بقانون رقم (80) الذي استرجع العراق بموجبها اكثر من 95% من الأراضي غير المستثمرة من الشركات النفطية الأجنبية لغرض استثمارها مباشرة من قبل العراق. وكان هذا القانون القشة التي قصمت ظهر البعير والتي ادت الى اغتيال الثورة وانجازاتها وزعيمها ورفاقه بضربة واحدة في يوم 8 شباط عام 1963.

ان تقييم الزعيم على انه كان وراء تصفية العائلة المالكة ليس صحيحاً واتهامه كونه شيوعياً او يسارياً متآزراً معهم ايضاً غير صحيح، وانه كان مناهضاً للوحدة العربية عار عن الصحة ويشهد له سجل حرب فلسطين ودعمه للثورة الجزائرية ومنظمة التحريرالفلسطينية. ان ثورة تموز وزعيمها ضحية لمن حكموا العراق قبله، ومن دمروا العراق بعده ليومنا هذا. ولازلنا لحد الآن نسمع التنكيل دون اثبات او اسباب من ان ثورة تموز هي من فتح ابواب جهنم على العراق، ناسين انهم لو درسوا حقبة الحكم الملكي لوجدوا انها لم تكن مستقرة ابداً، وانها شهدت العديد من الأحداث الدموية والمحاولات الأنقلابية.

ان هذا لا يعني ان الثورة وزعيمها معصومين من الأخطاء والمسؤولية، لا بل والحق يقال ان نهاية الجمهورية الأولى بهذا الشكل المأساوي يترتب على عاتق زعيمها بالدرجة الأولى، وعلى القوى القومية التي سعت الى السلطة بشكل دموي بالدرجة الثانية. حيث ان احتفاظ الزعيم بالسلطات التشريعية والتنفيذية وحتى القضائية (الأحكام العرفية) طيلة فترة حكمه وزجه للمعارضة السلمية في المعتقلات والسجون وعدم تأسيسه لمجلس قيادة الثورة او مجلس نواب منتخب وغير ذلك من الأمور مهد ومنح خصومه ادوات فعالة استُغلت في خلق الظروف المواتية لردة 8 شباط 1963.

أسئلة ستبقى في ذهن المؤرخين:

هل كان هناك ضرورة ملحة لثورة 14 تموز 1958؟

ما هو حال العراق اليوم لو لم تحدث ثورة تموز او اي حركة مماثلة لها؟

محمد حسين النجفي
   14 تموز  2019  

جلسة فصل عشائرية

“قلت: … شيخنا الموضوع كذا وكذا ونحن عائلة مدنية مسالمة ولسنا من العشائر، ولسنا مؤهلين لدفع فدية او دية عشائريا. أجابني الشيخ الموقر بكل تواضع وخجل وقال لي: هل فعلاً يستحق موضوع كهذا جلسة عشائرية؟  وأضاف “والله أكوا ناس دينزلون قيمة العشاير والمشايخ ويشوهون سمعتنا، ولكن مع ذلك يا أستاذ بما انه طلب منك ذلك، لابد لنا من الجلسة واترك الباقي عليّ….”
القصة كما حدثت:
وقع حادث صدام مروع بين اخي عصام مع سائق سيارة اخرى وجها بوجه في الشارع الرئيسي الملتوي في مدينة الدورة احدى ضواحي جنوب بغداد في جانب الكرخ تطل على الشاطئ الغربي لنهر دجلة، مقابل الجادرية نهاية شبه جزيرة الكرادة الشرقية. كان اخي عصام معلماً في ابتدائية الدورة عام 1977. حدث التصادم عصرا بعد انتهاء الدوام. كان الصدام شديدا جداً، نقل على اثره الأثنين الى مستشفى الكرامة. ذهبت الى مستشفى الكرامة لتفقده قالوا انهم قد اخرجوه بعد تضميد جرح في رأسه. ولكنه لم يأتي الى البيت، فأين هو؟ اجابني احد الموظفين بأنهم اخذوه الى مركز شرطة الدورة. ذهبت الى مركز شرطة الدورة كي اراه وكان كل رأسه ملفوف بضمادات بيضاء مليئة ببقع حمراء، وهو متعب جدا لا يستطيع فتح عينيه وغير قادر على الكلام. سألت لماذا اخي موقوف، انه حادث سيارة؟ قالوا لأن السائق الآخر راقد في المستشفى. قلت وهل استطيع اخراجه بكفالة؟ قالوا كلا لأن الشخص الآخر مازال في المستشفى، وهذا هو القانون. سألت عن الشخص الآخر، قالوا انه ضابط في الأمن الأقتصادي (مخابرات)! إتصل اخي رعد بصديقه محمد حسن حبيب الذي يعمل في وزارة الصحة. كان محمد حسن من الشباب المقدامين والجريئين اضافة لكونه مدعوم سياسياً. ذهب الى مستشفى الكرامة ليستفسر كيف ولماذا اخرجوا عصام من المستشفى وهناك ضربة وجرح عميق في رأسه؟ اخبرنا محمد حسن مساءا بكامل ما جرى في المستشفى. ان الكادر الطبي في مستشفى الكرامة خضع لضغط من قبل ضابط الأمن الذي لم يلحقه اذى نتيجة الحادث سوى كسر احد اسنانه الأمامية. وانهم اصدروا اوراق على انه أُدخل المستشفى كي يتم توقيف عصام بناء على ذلك. وانه ضغط على طبيب الطوارئ كي يأمر بعدم ضرورية بقاء عصام في المستشفى كي يتم توقيفه انتقاماً.
 
 كان قلقي الرئيسي هو ماذا لو كان هناك نزيف داخلي في رأس عصام؟ وماذا وماذا لو؟ سيطرت الأفكار السوداء على تفكيري طوال الليل، لذلك اتصلت بخالي الحاج كريم في لندن لأنه يعرف صديق مشترك هو قيس، كي نستنجد به لا لشئ وانما كي ارجع عصام الى المستشفى. اتصل خالي به ومهد لأتصالي به. ذهبت اليه في شارع هويدي الثاني وشرحت له الموضوع. قال دعنا نذهب الى مركز شرطة الدورة. قيس كان من الحرس الخاص المرافق لرئيس الجمهورية آن ذاك أحمد حسن البكر. الا انه بعد حركة ناظم كزار احيل على التقاعد. طلب مني قيس البقاء في السيارة. ترجل ومشى بطريقة مهيبة تدل على انه ضابط مهم بالرغم من كونه مدني وضابط سابق. استعد له شرطي المناوبة في باب المركز. دخل قيس يعربد بصوت عال مستعملا الفاظا مهينة: اين مأمور المركز…… اين ضابط المركز….. وانا خارج المركز اسمعه يهينهم …. فعلكم….. ترككم…… ويقول لماذا عصام ليس بالمستشفى؟  ولماذا …. والله سوف افعل كذا وكذا…….
 
خرج قيس من المركز ومعه عصام. اخذناه مباشرة الى مستشفى الكرامة حيث كان محمد حسن بالأنتظار . ادخله الدكتور ليبقى للمراقبة 48 ساعة. تركته مع محمد حسن لأوصل قيس الى بيته متشكراً منه مساعدتنا عالماً من انه ربما عرض نفسه لمخاطر شخصية. رجعت في المساء الى المستشفى حيث كان عصام غاطاً في نوم عميق في قاووش (ردهة) لحوالي ست او ثمان مرضى. قررت البقاء معه حتى الصباح. سحبت كرسياً وجلست جنب رأسه اسمع عمق شخيره المتأتي من هول الصدمة القاسية. بعد حوالي السابعة او الثامنة مساءا اطفأت معظم الأنوار كي ينام المرضى حتى الصباح. كان ليلا هادئاً ساكناً موحشاً ومخيفا في نفس الوقت تتخلله آهات وأنات مرضى جميعهم في حالة خطرة وقلقة، وكنت المرافق الوحيد الواعي لما يحدث والمستمع الصاغي بحكم الضرورة للمعزوفات المؤلمة.
 
بعد مرور عدة ساعات ودخولنا في عمق الليل، سمعت وقع اقدام لعدة اشخاص قادمين بأتجاه الردهة. كان لابد لي ان افترض ان الطاقم الطبي يقوم بجولة تفقدية للمرضى. ولكن حينما فُتحت باب الردهة دخل ثلاثة اشخاص من النوع الذي تستطيع تحديدهويتهم بمنتهى السهولة. إنهم إما شقاوات (فتوة) شارع او شرطة أمن بملابس مدنية. وصلوا الى سرير عصام الذي كان يغط في نوم عميق جداً. اما انا فكنت مرهقاً جداً وشبه نائم ، إلا ان طريقة قدومهم وشكلهم المرعب في خضم ليل رهيب أرعبني وايقضني تماماً. سألني أوسطهم واضخمهم، والشر يتطاير من عينيه، من انت؟ أنا محمد أخو عصام. وماذا تفعل هنا؟ أنا مرافق لأخي. ولماذا عصام في المستشفى؟ لأن الضربة في رأسه وهناك خوف من نزيف داخلي. سكون قاتل لعدة ثواني تخللته حركات مريبة، حيث كان ثلاثتهم ينظرون الى بعضهم البعض دون ان يستديروا برؤوسهم، وإنما عن طريق تحوير العيون جانبياً. ظلوا واقفين مترددين لا يعلمون ماذا سيفعلون؟ في النهاية اكثروا من نظراتهم الشريرة باتجاهي على شكل تهديدي ملحوظ ومباشر ورحلوا. بقيت مرعوباً خائفاً وكل اعضاء بدني ترتجف من هول الموقف الرهيب. ولكنني حمدت الله على بقائي جنب أخي، لأني متأكد من ان مرادهم كان أما الاعتداء عليه أو ارجاعه الى الموقف في اهون الحالات.
بقيت واعيا لأحتمال عودتهم مرة ثانية، وكلما اشعر بالنعاس أقف وأتجول قليلاً، كي انشط نفسي حتى ينقشع الظلام الساكن المخيف. لم يخب ظني كثيراً، ولم انتظر طويلا، حيث سمعت وقع اقدام الجستابو الرهيبة مرة اخرى تقترب تدريجياً الى ان فتحوا الباب، فرؤوني واقفاً جاهزاً لملاقاتهم هذه المرة. بعدك أهنا؟ نعم أنا باقي، ماذا تريدون؟ لم يجبني أين منهم. استرسلتُ بالسؤآل رغم ضعف ركبتيّ من الخوف؟ هل أنتم موظفين في المستشفى؟ مرة اخرى تخاطبوا بعيونهم دون ان يستديروا برؤوسهم. كان لسان حالهم يقول لا نستطيع ان نفعل شيئاً وأخوه لنا بالمرصاد. لم اصدق رحيلهم وكأنهم كانوا ثلاثتهم بجثثهم الهامدة جالسين على صدري. كل هذا ولازال عصام في غيبوبة عميقة وشخير يكاد يهز نوافذ الردهة. وما ان بزغ الفجر وأصبحت الساعة السابعة صباحاً حتى بدأ الكادر الطبي من ممرضات ومعينين وأطباء بالعمل كل حسب اختصاصه. استيقظ عصام فشعرت بالأمان اكثر. استأذنته لأنني يجب ان التحق بالدوام.
  ذهبت الى الدوام في الجامعة المستنصرية وبعد انتهائي توجهت مباشرة الى مستشفى الكرامة لتفقد اخي. ولكن حينما وصلت لم يكن في سريره. وحينما سألت اخبروني بأن الدكتور قد قرر ان علاجه انتهى، وكان الشرطي بأنتظار ذلك كي يرجعه الى التوقيف في مركز شرطة الدورة. ولكن الدكتور اوصى بالمراقبة 48 ساعة؟ ما الذي حدث؟ صمتٌ وافواه مكممة والجواب معروف. كان لابد لي من الأستعانة مجدداً بقيس خاصة بعد ان علمنا من ان الضابط لم ينم ولو لساعة في المستشفى وانما التقرير كان لغرض ابقاء عصام في التوقبف. بمساعدة الأخ قيس، استطعنا اخراج عصام من التوقبف بكفالة بعد جهد جهيد واخذناه الى طبيب العائلة الدكتور عبد المجيد حسين في مستشفاه للأطمئنان عليه. كان هذا الحادث بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة الى اخي. حيث ان عصام خدم في العسكرية بعد تخرجه وكان ذلك اثناء حرب أكتوبر (رمضان) عام 1973. وعلى الرغم من انه لم يشترك في الحرب واستطعنا ان نبقيه في معسكر الرشيد، إلا ان كثرت الأنذارات وحجر الجنود في المعسكرات بحجة الأنذار (ج) الذي كان يستخدم اعتباطياً في الكثير من الأحيان قد ابزعت حياته. النتيجة: قرر عصام ان يهاجر الى السويد لأن احد اصدقائه قد سبقه الى هناك وكان يشجعه على السفر. سافر وفي فمه مرارة كان بعضها مفهوماً وكان قسم كبير منها غير معلوم.
جاء موعد المحكمة فذهبت الى مجمع المحاكم في جانب الكرخ في الساعة الثامنة صباحاً بأنتظار ان يدعونا القاضي للمثول أمامه. وسبب حضوري لأني كفيل اخي ولأن عصام قد هاجر الى السويد مع نية عدم الرجوع. وأثناء انتظارنا كان ضابط الأمن الذي تصادم مع عصام يحدق بيّ بطريقة من يريد ان يخلق سبباً للخصام. حاولت تجنبه قدر الإمكان. شاغلت نفسي بالتحدث مع الشرطي الذي يحمل معه ملف القضية والقادم من مركز شرطة الدورة. لاحظت ان الشرطي كان في منتهى الاناقة في الوجه والملابس وانه يحمل رتبة عريف رغم صغر سنه. تحدثت معه وقال لي انه قد تخرج للتو من دورة للانتربول من فرنسا. وانا اتحدث معه لاحظت ان الملف يحمل عنوان “حادثة دهس”، فقلت له انه حادث صدام سيارتين وليس حادث دهس. اجاب انه لا معرفة له بالقضية، وان واجبه يقتصر على تسليم الملف للقاضي حين الطلب. ادركت ان الموضوع به الكثير من التلفيق وتغيير الحقائق مما اثار حفيظتي (علمنا بعد ذلك ان غريمنا لم يكن حاصل على اجازة سوق وبالتالي لا يحق له ان يسوق، وفي حال وقوع صدام فإنه سيكون المذنب في جميع الحالات). بلغت الساعة الثانية عشر ظهراً وإذا بنادل المحكمة يخرج إلينا ليقول ان الدوام انتهى وتؤجل القضايا الباقية. حينها جاء الخصم وقال لي أين عصام؟ جاوبته بأزدراء سخيف لم يكن في محله بأن : عصام سافر للسويد يندعيلك! (ما معناه يدعوا لك عند الأئمة). قال لي انت محمد حسين؟ قلت نعم. قال لي: اسمع! آني ما اعترف لا بالمحكمة ولا بالقاضي ولا بالقانون! إحنا عشائر وآني آخذ حقي منكم عن طريق عشيرتي. 
 
لم أعر للموضوع اهتماما كافياً لأننا نعيش في عام ١٩٧٧ ضمن دولة مدنية علمانية ليس من المفروض ان تقبل ان تشاركها العشائر أو المرجعيات الدينية في السلطة. وكل ضني ان سلطات العشائر ونفوذها قد اضمحلت أو ضعفت بعد ثورة ١٤ تموز عام ١٩٥٨. وكان عجبي ان ضابط امن يقول انه لا يعترف بالشرطة والقضاء والقانون! المهم مرت ايّام دون اكتراث للموضوع الى ان طلب مني “ابوعمار” وهو جار لنا في سوق الشورجة وأيضاً جارنا في السكن في الكرادة الشرقية. دعاني ان ازوره في البيت مساء بعد العشاء كي نشرب الشاي معاً، وان هناك موضوع مهم يريد ان يحدثني به. ذهبت اليه ومن البداية قال لي قبل ان نشرب الشاي ويضيع الموضوع: دعني أحدثك عن موضوع عصام! استغربت لمعرفته بالموضوع، وقال انا اعرف ضابط الأمن جيدا والتقيت به وهو يعرف الكثير عنك، فمن الأفضل ان نرضخ لمطالبته بحل عشائري. مرة اخرى استهنت بالموضوع ورفضت الرجوع عشرات السنين الى الوراء كي نحل خصام حادث صدام سيارتين عشائرياً. هنا استوقفنني ابو عمار بحدة وقال لي: اسمع ابوجاسم (وهي كنيت كل من اسمه محمد) انه مطلع بالتمام على ملفك (اضبارتك او فايلك) بالأمن وانه ذكر ان لك أختين عالية وانوار طالبات في الجامعة المستنصرية! هنا أصابتني حالة من الشعور بالعجز والضعف والخوف من ان يتم أي شيئ يمس خواتي أو يلحق بهم الأذى بأي شكل من الأشكال. رضخت للحلول التي يقترحها ابوعمار الذي كان مخلصاً جداً في موضوع التوسط لصالحنا.
أخذني ابوعمار معه الى مدينة الضباط في اليرموك وزرنا عدة ضباط عسكريين واستشرناهم كيف نتصرف؟ كان رأيهم صادماً لي لأن الكل اقترح لابد من الموافقة على الحل العشائري. بعد ذلك قررت الذهاب الى لقاء رئيس العشيرة، فذهبت الى المدرسة التي كان يُدرس بها عصام والتقيت بمدير المدرسة الذي رحب بي بحفاوة وانه يحب أستاذ عصام كثيراً. حكيت له الموضوع فتأسف كثيراً وقال لا عليك سأدلك على رئيس العشيرة اذهب اليه وقابله وسلملي عليه، انه إنسان طيب وسوف يساعدك.  ذهبت حسب الوصف وكان الفصل ربيعاً و أشجار النخيل على مدى البصر، وتحت ظلالها على جانبي الطريق اشجار الفاكهة، مقدحة بأزهار ثمار الخوخ والعنجاص والبرتقال والليمون والرائحة زكية جداً والريح القادمة من ضفاف  دجلة الخير تحمل نسمات باردة ومعطرة لا يمكن نسيانها. وقفت على السد امام البستان ونزلت لأرى فلاح بسيط بيده المسحاة، واضعاً ذيل دشداشته (ثوبه) في حزامه‘ يحاول تعديل وترميم السواقي بين اشجار الليمون والبرتقال. بعد السلام عليه أخبرته بأني اريد الوصول الى الشيخ فلان. استغربت كثيراً حينما قال: وصلت، آم؟. . اجبته لا يأمر عليك ظالم شيخنا، وقلت: … شيخنا الموضوع كذا وكذا ونحن عائلة مدنية مسالمة ولسنا من العشائر، ولسنا مؤهلين لدفع فدية او دية عشائريا. أجابني الشيخ الموقر بكل تواضع وخجل وقال لي: “هل فعلاً يستحق موضوع كهذا جلسة عشائرية؟  وأضاف “والله أكوا ناس دينزلون قيمة العشاير والمشايخ ويشوهون سمعتنا، ولكن مع ذلك يا أستاذ بما انه طلب منك ذلك، لابد لنا من الجلسة واترك الباقي عليّ….”. شكرته جدا جدا ومنحني الثقة باننا سنكون في أيدي امينة. وأضاف ما رأيك في اليوم الفلاني ان تأتي مع مجموعة من كبار القوم من عائلتكم ونجتمع في بيت والد الخصم في شارع فلسطين. شكرته وانا واثق من اننا سنكون في أيدي امينة. 
فعلاً جهزنا ثلاث سيارات من التجار والحجاج والخوال وأبوعمار وذهبنا. استقبلنا الشيخ ووالد الغريم ووالدته التي كانت ذات شخصية تدل على علو مكانتها ورفعة اخلاقها اما صاحبنا فكان غائباً ولا ادري ان كان ذلك مقصوداً ام لا؟  بدأ  الحديث نيابة عنا ابونضال وقال اننا نعتذر عن الأذى الذي لحق بأخينا وأننا مستعدين لتحمل كافة مصاريف العلاج الطبي ومصاريف تصليح السيارة وما ترونه مناسباً، اسنده خالي الحاج مهدي بكلام مليئ بالحكمة والورع. أجابنا والد غريمنا بحضور الشيخ بأن مجيئكم هو خير تقدير وشرف لنا وهذا يكفي ولا غرامة أو فدية مطلوبة. كان لقاءاً بمنتهى الاحترام دون توبيخ أو تهديد أو ابتزاز، وتحولت الجلسة من جلسة فصل الى جلست صُلح بفضل حكمة الشيخ ووالدي الغريم. مع ذلك طلبت من ابوعمار ان يتحدث مع غريمنا ويصر عليه ان ندفع مصاريف الطبابة لكسر احد اسنانه وتصليح السيارة وكانت جميعها بحدود ٣٠٠ دينار، دفعناها بكل ممنونية. بعد ذلك دعانا ابو عمار لجلسة صلح في مطعم  شاطئ الجندول على ابي نؤآس على شراب وسمك مسقوف، وكانت جلسة جميلة على انغام كوكب الشرق أم كلثوم. وهكذا تسير الأمور على مايرام بعد العناء والقلق وقلة المنام.
حدثت هذه القصة عام 1977 كما ذكرت سابقا يوم كان هناك حكومة مركزية بمنتهى القدرة على التحكم وبقسوة على مجريات الأمور. ومع ذلك فإن ذلك لم يمنع او يردع غريمنا هنا من ان يستغني عن السلطة ويفضل ان يأخذ حقه عن طريق العشيرة. وللعلم فإن “صدام” وخاصة بعد عام 1979 روج وشجع لبعث النزعة العشائرية وترويجها كبديل او مكمل لحزب البعث الذي تحول بعد ذلك من حزب موال الى افكاره مهما كانت الى حزب موال لصدام، وتحول دور الشيخوخ بدلا من حماية ابناء عشيرتهم الى امراء يعلنون البيعة والنصرة  للقائد الضرورة، ويجندون شبابهم لحروب لا طائل لها. اما بعد عام 2003 وبالغياب الكلي لسلطة الدولة فقد تحولت العشيرة الى دولة داخل الدولة. والحق يقال فإن الشيوخ والوجهاء لعبوا دورا ايجابيا في بداية الأمر لحماية ابنائهم، ولكن تحول ذلك تدريجا من الحماية الى الجباية بمرور الزمن وانتشار الفساد وضعف الأمن والأمان واستمرار غياب الدولة والأهمال الكلي لحماية المواطن المسالم الذي لا حول ولا قوة له. اتمنى ان يكون جميع شيوخ العشائر والوجهاء من النوع والعزة والشرف الذي ساقتني الأحداث للتشرف بمعرفتهم والذين ترسخت ذكراهم الطيبة في ذاكرتي، لأني متأكد من انهم لم يقدموا الأحترام لنا فقط، وانما وبخوا غريمنا لتهوره ولزجه العشيرة في مسألة ذات طابع مدني ولها حلول قانونية بسيطة ومنصفة للطرفين.