صادق القندرچي وافراح نجفية

“استطاع صادق القندرجي في تلك الليلة، وعلى ذلك المسرح المؤقت الصغير،
ان يقدم اعظم كرنفال شاهدته عيناي ابدا”

دُعينا الى حفلة زواج في النجف الأشرف عام 1957. وبما ان الزواج كان ضمن عائلتنا، فإنه كان من الممكن ان نذهب مع والدتي من بغداد الى النجف انا واخوتي عصام ورعد. كانت التقاليد النجفية مازالت باقية على اصالتها سواء في الأفراح او الأتراح. ومن المعروف ان اهالي النجف وكربلاء والمجتمعات الشيعية مبدعين جداً في التعبير عن حزنهم بشكل يأخذ الألباب سواء من حيث الكلمات او الأداء او خلق الأجواء المساعدة في التعبير عن الحزن والأسى سواء في المجالس الحسينية او في الوفيات العائلية.

إلا انه من غير المعروف هو ان هذه المجتمعات هي مجتمعات انسانية متكاملة. فهي كما تؤدي واجبها وتعبر عن حزنها في المآسي والأحزان، فإنها تعرف ايضا كيف تحتفل بالأفراح والمسرات. لقد كان هذا الزواج وانا في عمر العشر سنوات، فرصة نادرة لي للتعرف على تقاليد الزواج في النجف. ومن بين هذه التقاليد ان رجال اهل العروسة لا يحضرون احتفالات ليلة الحنة او احتفالات زفة الزواج وليلة الدخلة. إلا انني مع اخوتي عصام ورعد، وان كنا من طرف العروس، إلا انه كان مقبولاً حضورنا لصغر سننا. ونحن في الطريق بين بغداد والنجف لاحظت ان هناك فتق في واجهة حذاني. اخبرت امي عنه، وكانت اجابتها انه سوف لن يراه احد وانه لا نستطيع عمل اي شئ الآن. لم ارتح لذلك الجواب لعلمي ان ابي وان لم يكن غنياً بمعنى الكلمة، إلا انه كان التاجر الأول واغنى شخص في العائلة في ذلك الوقت، وهذا سيكون موضع تسائلات في احاديث أقربائنا.

ومعظم مراسيم الزيجات تبدأ بأرسال المشاية لجص النبض ما اذا كان هناك قبول اولي في حالة التقدم للخطبة. بعد ذلك تتم الخطبة عن طريق قدوم وجهاء عائلة الخطيب وبعض اصدقاء الطرفين لطلب يد الفتاة ضمن شروط مهر الحاضر والغائب وشروط السكن وغيره. وفي حالة القبول تقرأ سورة الفاتحة وترفع النساء الهلال من وراء الكواليس ثم يوزع الشربت والحلويات. بعد ذلك يحدد يوم لعقد القران وهو الزواج الشرعي بحضور السيد، ويتم عندها تبادل لبس الحلقات (الدبل) في اليد اليمنى لتنقل بعد ذلك لليد اليسرى في ليلة الدخلة. ويتم ذلك قبيل الزواج الفعلي، وعادة يتم ذلك في بيت العروس وان كان العريس يتكفل بالتجهيز والتحضير له. ثم بعد ذلك تحدد ليلة الحنة تعقبها في اليوم الثاني ليلة الدخلة، وهي الليلة التي تنتقل فيها العروس الى بيت الزوجية. عادة تكون ليلة الحنة في مساء يوم الخميس وتكون الزفة عصر يوم الجمعة والدخلة مساء نفس اليوم.

كان هذا الزواج هو اول زواج احضره وانا في عمر الوعي والذاكرة. كان يوماً صيفياً في بيت بطرف (محلة) الجديدية في النجف، وكان احتفال ليلة الحنة لدى النساء مع العروس في بيت اقرباء العروس ومعهم والدتي. اما حنة الرجال وكنا حاضرين فيها فهي في بيت الزوجية . لم يكن لديّ اي فكرة عما سيحدث في هذه الليلة. كان الوقت عصراً حينما جاءت مجموعة من الأشخاص اعتقد ثلاث اواربع يتوسطهم ويقودهم شخص نحيف يلبس احد انواع الملابس النجفية التقليدية وعلى رأسه كشيدة (غطاء رأس اصوله تركية وشامية) . وبعد السلام والكلام بدأت هذه المجموعة تأسيس مسرح وستائر واستخدموا غرفة الضيوف لغرض ملابسهم ومعداتهم. كل هذا وانا لا ادري ما الذي سيحدث؟ ومن هم هؤلاء الأشخاص؟ ولكن الفضول بدأ يزداد ويتعاظم بمرور الوقت. بعد ذلك وصلت كراسي مؤجرة صُفت وسط الحوش (بهو البيت الغير مسقف) مقابل المسرح المؤقت. وبمجرد غروب الشمس بدأت مجموعات الضيوف بالقدوم الواحدة تلو الأخرى، منهم من يلبس ملابس مدنية (قميص وبنطلون) ومنهم من يلبس قاط (بدلة كاملة)، وعدد كبير منهم يلبس دشداشة وسترة فوقها (نصف افندي) وهو زي لم اره في غير مدينتي النجف والكوفة. وبين فترة واخرى اتذكر حذائيّ المثقوب واحاول اخفائه بلوي رجلي اليمنى خلف قدمي اليسرى.

كان هناك مجموعة من الشباب (الوكافة: وهم من يتبرعون بتقديم الخدمة) يستقبلون الضيوف ويقدمون لهم شربت البرتقال (عصير مخفف)، والكل يبارك ويهنأ العريس ويقبلوه، و كان جوابه في معظم الأحيان: يوم اللي إلك، او انشاء يوم لفلان وهو ابن الضيف. اكتمل الحضور والكل كان متحمساً وانا واخوتي الوحيدين الذين لا ندري لماذا هذا الحماس؟ رفعت الستارة وظهر المنلوجست والمطرب والمنكت والهزلي ذو الشخصية الطاغية على المسرح، والذي لاحقاً عرفت اسمه، انه “صادق القندرجي”، ويلفظ النجفيون القاف كما تلفظ الكاف فيسمى (صادِك القندرجي). وكما يقول المثل العراقي: جيب بطن واضحك. برنامج متكامل من البستات الغنائية الفرحة والردات الهزلية ذات الأيحاءآت المريبة التي تعبر عن الأعضاء والعلاقات الجنسية بخجل. كانت بعض الأغاني او البستات مطعمةً بكلمات فارسية متعارف عليها في المجتمع النجفي مثلها مثل بعض اغاني زهور حسين التراثية.

كانت سهرة ممتعة جدأ لا زالت حلاوتها ودهشتها في ذاكرتي. طبعاً الأحتفال كان على عدة فصول، غيروا ملابسهم عدة مرات، وفي الأستراحات يوزع الملبس (حلوى) والشربت والسكاير، والكل ينتظر بفارغ الصبر الوصلة القادمة مع هذا الفنان المبدع والممثل الموهوب. كانت ملابس الفرقة مختلفة ومتنوعة في كل وصلة وهي ملابس ملونة زاهية ومرقعة وممزقة للتعبيرعن شخصيات مفترضة . حركاتهم على المسرح حركات قرقوزية او كارتونية . انفعالاتهم الوجهية والحركية مشابهة لحركات شارلي شابلن في افلامه اللاصوتية. استطاع صادق القندرجي في تلك الليلة، وعلى ذلك المسرح المؤقت الصغير، ان يقدم اعظم كرنفال شاهدته عيناي ابدا. بعد ذلك جاء وقت النوم حيث استلقينا على الفراش في السطح من ذلك اليوم الصيفي، حينها بدأت تلك الرياح الصحراوية تتحول تدريجيا الى نسيم عبق يرطب الجو ويعذب الليل، كي نرى النجوم بكل وضوح وعلى وجهنا ابتسامة لا تنمحي من مشاهد الأنس والفكاهة والطرب التي قدمها لنا المنلوجست صادق القندرجي.

والقندرجي هي مهنته الحقيقية ومحله معروف في النجف ويبيع ويصلح الأحذية والنعل والقبابيب. إلا ان صادق القندرجي لم يكن شخصاً هزلياً يضحك جمهوره ويسليهم فقط، انما كان ايضاً من القُراء في التكيات (حسينيات مؤقتة) والحسينيات ويقرأ التعزيات في الوفيات. كذلك يقدم الأناشيد والموشحات الدينية في المواليد وحفلات الختان. وليس هذا كله وانما من خلال فنه ومهنته كان داعية ومصلحاً اجتماعياً وناقداً ساخراً للأخفاقات الحكومية وللتقاليد البالية، ومدافعاً عن حقوق المظلومين وناشطاً في القضايا الوطنية. وعلى الرغم من انه كان شاعراً ومؤلفاً للمسرحيات، الا انه كان على علاقة وثيقة مع الشيخ عبد الحسين ابو شبع، الشاعر الشعبي الحسيني والمناضل المضطهد في كل العصور. تأثر القندرجي بالعديد ممن سبقوه وخاصة بالشاعر المعروف والذي سبقه في هذا المضمار “حسين قسام ” في نظم القصيدة الهزلية الساخرة. ومن الذين عملوا مع القندرجي. وكان من احد افراد الكومبارس معه “ياس خضر” الذي اصبح لاحقاً مطرباً مشهوراً جداً.

لا زلنا في استكمال طقوس ومراسيم الزواج على الطريقة النجفية. ففي اليوم الثاني وهو يوم الجمعة، جاءت اربع او خمس سيارات تضم حوالي عشرين الى خمسة وعشرين شخصاً من اقرباء واصدقاء العريس المقربين في حوالي خمس او ست سيارات، وبدأنا رحلة بعد الظهر الى افضل وانظف حمام عمومي في النجف. ذهبنا الى الحمام وكان للعريس مكان خاص (مقصورة) ومدلكجي (مساج). اما الباقي فكنا في البهو العام في الحمام. طبعاً لا يوجد دُش (شاورShower ) في الحمام، وانما احواض صغيرة وطاسة وصابونة رقي (غار) وليفة وحجر اسود. في هذا الحمام وهو حمام رئيسي يوجد به حوضين كبيرين للغطس. والحمامات العامة هي مشابهة لما هو متعارف عليه اليوم بالحمام التركي، هناك حرارة تحت ارضيته ولذلك تجد البخار مكثف في اجوائه، اي انه حمام وصونا باث (Sauna Bath) في آن واحد. اكمل العريس حمامه واكملنا معه وكان نظيفاً حالقاً بهياً تقول عنه انه العريس دون خطأ من بُعد عدة اميال.

ركبنا السيارات وبدأت زفة العريس، واتجه موكبنا من النجف الى كورنيش الكوفة على شاطئ نهر الفرات. وبذلك نكون قد انتقلنا من حراة النجف الصحراوية الى ريف الفرات الأوسط المكثف بأشجار النخيل والمياه التي ترطب اجوائه. نزلنا في احد المقاهي الصيفية الجميلة عصر يوم الجمعة لشرب الشاي والبيسي، في استراحة تؤهل العريس لليلته الكبيرة. وكنت ارى واسمع البعض يتحدث معه بهمس و برموز وضحك ذو دلالات مرتبطة بما سيحدث في تلك الليلة الغامضة بالنسبة لي. وفجأة قام احدهم ليعلن بدأ مسيرة العودة الى النجف، وصاح بأعلى صوته وشاركه الجميع مباشرة:

“ألف الصلاة والسلام وعليك يا رسول الله محمد صلوات”

وركبنا السيارات عائدين ونحن نعيد ونعيد بالصلوات الى ان وصلنا البيت الذي كان مملوءاً بالنساء وركض بعض الأطفال الواقفين امام الدار الى الداخل يصيحون: اجو اجو…. واذا بالهلاهل تصدح عبر السماء بلا توقف وبأنغام والحان مختلفة. اهازيج النساء كانت مختلفة ومفرحة اكثر من صلوات الرجال، اتذكر قسماً منها:

” شايف خير ومستاهله”
“يا فلان طفي الكلوب ………. خدهه يِشع ويا الروب”
(فلان: اسم العريس، كلوب يعني المصباح او الضوء)
“يا فلان ياجكليته …………. حامض حلو باكيته”
“فلان حلو وزين ……….. فلان يحفظة الحسين”

كانت العروس في غرفتها وكانت هناك سجادة صلاة امام الغرفة. وقف العريس يصلي ركعتين للتبارك، امام اهازيج وهلاهل النساء التي لا تنقطع، وحينما بدأ يصلي كانت الردة:

“خلونه يصلي لا تشدهونه………. خلونه يصلي لا تشدهونه”

لا ادري كيف صلى الركعتين وكيف استطاع التركيز، ولكنه قام وسجد وجلس وقبل التربة وتوكل على الله. دخل عش الزوجية الذهبي واسدل الستار على مرحلة العزوبية والحرية من حياته. وبهذا انتهت الحفلة العامة لتبدأ الحياة الخاصة للعروس والعريس في عش الزوجية الخاص.

محمد حسين النجفي
1 أيار 2020
www.mhalnajafi@aol.com

 صادق القندرجي، مجلة الشرارة، العدد (59) لسنة 2011