سفرة الى الصدور

 يا (أُم عوفٍ) ومايدريك ماخبأت                            لنا  المقاديرُ من عُقبى  ويدرينا

صوت ينادي وجه الصُبح: محمد حسين….. محمد حسين……..محمد حسين……. كان هذا الصوت آتياً من الشارع ونحن مازلنا نائمين في السطح كعادتنا في كل صيف. طفرت من فراشي ونظرت من اعلى السطح كي ارى رياض الطحان واقفا بباب دارنا ومعه سيارة اخيه سعيد الـ “سمكا” الفرنسية الصغيرة الحجم . كان يوماً من ايام العطلة الصيفية عام 1964. ايقضت ابن عمتي حسن (حسون) ونزلنا من السطح وبدلنا على استعجال كي نلتحق برياض.  “ها رياض شنو الموضوع؟”  “اصعدوا بالسيارة دنروح للصدور”. صعدت بالمقعد الأمامي وكان هناك صحن من الفرفوري (البورسلين) جالس قبلي عليه. رياض ما هذا الماعون( الصحن)؟ قال لا عليك، بعثوني كي اشتري قيمر (قشطة) لفطور الصباح ولكني قررت ان انتهزها فرصة ونذهب سفرة الى الصدور. رياض يعني أهلك شراح يتصورون؟ قال انهم متعودين على “داگتي”. مررنا على حكمت في شارع الهندي واصبحنا اربعة مراهقين سارقين لسيارة اهلهم وذاهبين الى منطقة سدة الصدور شمال المقدادية (المعروفة بشهربان بالكردي) على نهر ديالى في منطقة جبال حمرين.
سدة الصدور
وصلنا الى نقطة تفتيش مدينة بعقوبة وهي المدينة الرئيسة في الطريق الى الصدور. طلب الأنضباط العسكري من رياض اجازة السوق. رياض قال لي ناولني الأجازة من جيب السترة. لم اتمالك نفسي، وبدأت بالضحك. افتعل رياض مشهداً، وبعصبية ظل يطالبني بالأجازة، والكل بدأ يضحك الى ان ضحك الأنضباط، وقال “امشي هالمرة راح امشيها، دير بالك سوق على كيفك (على مهلك). وصلنا الصدور وكان هناك كازينو سياحي. شربنا بيبسي كولا وذهبنا نتمشي بأتجاه السد الأستراتيجي المشيد على نهر ديالى الذي ينبع من المرتفعات الشمالية الشرقية من العراق وهو احد روافد نهر دجلة الخير ويصب فيه جنوب بغداد. والغرض من السد هوالحفاظ على سهل ديالى من الفيضان، وكذلك رفع مناسيب المياه كي تسقى الأراضي الخصبة التي تقع على شرق وغرب نهر ديالى. انه موقع جميل جداً حيث المياه والمرتفعات المتموجة والطبيعة الخلابة والزهور بمختلف الأطياف منتشرة على حافات السهول واسراب الطيور التي ترتفع وتهبط كي تجلس على موجات المياه، لا ندري ان كانت تؤدي مهمة ما ام انها تتغندج امام بعضها البعض؟
شاهدنا بعض السيارات كانت تعبر السد الى الجهة الأخرى. تحمس رياض لهذه الفكرة التي تحوي الكثير من المخاطر، ركبنا معه وعبرنا السد نحو الجانب الآخر بسلام على الرغم من ان النهر كان من جهته الشمالية فائضاً والماء يسيح فوق السد الى الجهة الأخرى. إلا انه في عودتنا اسرع رياض قليلاً، فطفر الماء على الماكنة واطفأها. وقفنا في منتصف السد وبدأت شدة المياه تزداد قوة وشعرنا بأن السيارة بدأت تتحرك وخفنا من ان ازدياد حدة المياه سوف تقذفنا من السد الذي لا سياج له نحو هاوية النهر من الجانب الجنوبي. بدأنا نصيح استغاثةً لحين لاحظنا الواقفون فجائت سيارة سحب يبدوا انها مخصصة لهذا النوع من الأحتمالات وسحبتنا الى الجرف الآمن وبدأنا نتنفس الصعداء.
 
قضينا سويعات جميلا ت جداً هناك، ولكن بعد واقعة احتمالية الغرق، قررنا الأسراع بالعودة الى الكرادة.  الا انه بعد ان اجتزنا مدينة شهربان  بنصف ساعة تقريبا حدث ما لا تحمد عقباه. تصاعد صوت مربك وعنيف من مقدمة السيارة اعقبها بخاركثيف يتصاعد من تحت البنيد (الهود) بأتجاه الجامة (النافذة) الأمامية. اضطر رياض الى التباطئ ثم الوقوف على جانب الشارع كي نرى ما حدث. نزل حسن ورفع الهود كي يرى اسباب الصوت. حسن كان يعمل مع اقارب لنا ميكانيكي سيارات في مدينة النجف الأشرف. بلحظات حدد المشكلة واقترح الحل: طارت ريشة من مروحة التبريد وضربت الراديتر واحدثت ثقبا فيها. يجب ان افكك المروحة والراديتر وآخذهما الى شهربان كي الحمهما واعود. ولحسن الحظ كان هناك صندوق ادوات تصليح في السيارة.  واذا بحسن يبدأ بتفكيك كل شئ وعبر الشارع مع رياض الى الجهة الأخرى واوقفوا لوري وصعدوا به عائدين بأتجاه شهربان.
 
بقينا انا وحكمت نحرس السيارة. كانت الساعة بحدود الثانية بعد الظهر والحر على اوجه ورذاذ التراب الذي ترميه السيارات المارة قد اعمى عيوننا. وبعد مرور فترة ليست قليلة بدأ الملل والضجر وبعض الخوف يسيطر علينا. وسفرة كهذه لم يسبقها اي استعداد من حيث المشروبات او المأكولات، لا يوجد اي شئ معنا كي نتلهى به. سبقني حكمت وقال آني جوعان وميت من العطش! اجبته وانا كذلك. ظللنا نفكر ونحن في شارع عام لا مطعم ولا كافيه ولا بقال ولا عطار؟  رصد حكمت بيت طيني بعيد جدا عبر الشارع العام. سألني ما هو رأيك نقفل السيارة ونتمشى لهذااااااك البيت؟ وافقت على الفكرة لأنه مضى اكثر من ساعة منذ ان رحل حسن ورياض وربما لا يرجعون قبل ساعة او ساعتين.
 
وصلنا المنطقة التي بها ثلاث او اربع بيوت طينية في منطقة قاحلة، لا شئ يُذكر حولها سوى اعشاب هنا ودغل هناك. طرقنا باب اول بيت جاء امامنا، فتحت لنا الباب إمرأة عُربية ذات ملامح فلاحية وجمال طبيعي بلا رتوش. “خالة انكسرت بينا السيارة واحنا عطشانين”، قالها حكمت دون تردد او خجل. هلا بيكم يُمّه، تفضلوا. دخلنا باحة البيت وكان هناك حصيرة من الخوص مفروشة تحت ظلال شجرة رمان. جلسنا بأنتظار ما ستقدمه لنا هذه المرأة المضيافة التي كانت لوحدها في البيت،والتي تصرفت معنا وكأننا ابناء الجيران وتعرفنا وتثق بنا. ذهبت الى الحِب (الكوز) الذي كان في احدى زوايا باحة البيت وجائت بطاسة (اناء من الألمنيوم) مملوئة بأعذب ما شربنا من ماء في حياتنا. لم تكتفي بذلك وانما اعقبته بصحن به حوالي ثمان او عشر تمرات من نوع الزهدي وطاسة لبن وخبز شعير ورمانة كبيرة من رمان شهربان المشهور جداً.
هجمنا دون استأذان او مجاملة على التمر واللبن والخبز وكأننا لم نأكل شيئا في حياتنا.  وبعد ان شربنا اللبن واكلنا التمر والخبز برمته، اراد حكمت ان يمد يده على الرمانة. منعته من ذلك عدة مرات. اخيرا قلت له: حكمت ألا تعلم انها قدمت لنا كل ما لديها؟ اترجاك اترك لها هذه الرمانة على الأقل. قال حكمت الرمانة كبيرة نأكل نصفها ونترك لها نصف. عند ذلك وقفت وقلت خالة شكراً جزيلاً على الضيافة وممنونين جداً. قالت خالة ابقوا على الجاي، قلت لا خالة لأن سيارتنا بالشارع. خرجنا من بيت المرأة التي لازالت مُحياها تتماثل امامي ونحن شبعانين ومستعدين للأنتظار الى الليل اذا تطلب الأمر ذلك. في حدود الساعة الخامسة عصراً نزل رياض وحسن من لوري كان قادما من شهربان. تم لحم ريشة المروحة والراديتر. باشر حسن العمل، فأعاد نصب الراديتر في مكانها ثم اضاف المروحة وربط القايش على الماطور. واذا لم تكن هذه اعجوبة فكيف يمكن وصفها.
 
المرأة التي استضافتنا واكرمتنا من الصعب نسيانها، ومازالت حلاوة طعم ذلك الأكل البسيط من تلك اليد الكريمة جدا في فمي لا تفارقني كلما تذكرت ذلك اليوم. ولشاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري قصيدة لـ (أُم عوفٍ) مستلهمة من تجربة مماثلة مر بها، كلما اقرأها اتذكر تلك السيدة الكريمة وذلك المشهد الذي عبر كالأثير ورسخ في مخيلتنا، وهذه بعض ابياتها:
يا (أُم عوفٍ)   عجيباتٌ ليالينا                    يُدنين أهواءنا القصوى ويُقصينا
يا (أُم عوفٍ) بلوح الغيبِ موعدنا                    هنا  وعندكِ  أضيافنا  تلاقينا
يا (أُم عوفٍ) ومايدريك ماخبأتْ                        لنا المقاديرُ من عُقبى  ويدرينا
لابد من مطلعٍ  للشمس  يُفرحنا                      ومن اصيلٍ  على  مهلٍ  يُحيينا
القصيدة الكاملة اضغط:
محمد حسين النجفي
mhalnajafi.or