تداعيات المواصلات

 “قال لا اريد شهادتك، إطلع قبل ان يخرجك ابو اسماعيل (الشرطي) بالجلاليق (بالركل بالأرجل على المؤخرة)”

منذ ان فطنت للحياة كانت هناك ازمة مواصلات وزحمة في الطرق والساحات المدورة التي اشتهرت بها بغداد مثل ساحة التحرير وساحة الطيران في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. والزحمة والتدافع ليس بين السيارات فقط وانما بين الركاب سواء في باصات الأمانة او تكسي النفرات (التكسي المشترك). وطبعا هناك تداعيات لهذه الأختناقات في المواصلات نتيجة للتلاصق الجسدي الذي لا مفر منه سواء ان كنت واقفا او جالساً. من بينها ان معظم حالات النشل (السرقة من الجيب) تحدث في باصات الأمانة المزدحمة. كذلك فان الأزدحام يوفر فرصة ذهبية للتحرش الجنسي الذي كان سائدا في تلك الأيام. وقد يعتقد البعض ان التحرش الجنسي كان من تصرفات المراهقين. كلا، وانما كان سمة سائدة خاصة من قبل الرجال في اعمار متقدمة. كان التحرش الجنسي يتم بشكل شبه علني دون خوف او خجل ودون اي تدخل من قبل الآخرين لأيقافه. وللأسف نادراً ما نرى فتاة او امرأة تتجرأ امام الملأ وتفضح المتحرش.

ومن بين احدى ذكرياتي التي من الصعب نسيانها انني في صباح احد الأيام حينما وصلت الى محطة تكسي النفرات كان قد سبقني ثلاثة اشخاص من محلتنا في السبع قصور الكرادة الشرقية داخل. احد هؤلاء الأشخاص سيدة حامل في مرحلة متقدمة لا تستطيع معها التحرك بالسرعة التي تقتضيها الحصول على مقعد في التكسي. وبما انه لا توجد ثقافة او نظام ان الأفضلية للأسبق، فانه حينما يقف التكسي يركض الجميع كالغزلان ومن هواسرع يحصل على المقعد. والباقون ينتظرون التكسي القادم، والقادم والذي بعده، وهذا ما حدث للسيدة التي ظلت تلاحق التكسي وهي تسير كطائر البطريق عدة مرات دون نجاح. ظللت مندهشاً كيف ان رجال محلتنا كانوا يأتون بعد جارتهم السيدة الحامل ويسارعون لسرقة دورها منها دون تردد او حياء او خجل او مروة اوحتى رجولة. حينها بدأت افكر ان المشكلة لم تعد في السلطة السياسية فقط، وانما في اخلاقية الشعب ايضا الذي تغير عبر الزمن نحو الأسوأ.

 وفي احد ايام شتاء عام 1969 ركبت تكسي النفرات من الباب الشرقي متوجهاً الى الشورجة حيث مركز تجارتنا. كان السائق في عمر منتصف الأربعينيات يدخن سيكارته ويستمع بشرود واضح الى اغاني فيروز الصباحية. كانت ظاهرة التدخين مقبولة ومتعارف عليها في تلك الأيام فيما عدا باصات الأمانة كانت ممنوعة. معظم الركاب يبدوا انهم موظفين في حالة من الأستعجال للوصول الى مآربهم.  بدأ السير يتباطئ كلما ابتعدنا عن ساحة التحرير، إلا انه تباطئ اكثر بعد عبور ساحة الخلاني ومن ثمّ شارع النهضة، وأخذ الجميع يُأفف من الأزدحام وينظرون الى ساعاتهم بشكل متكرر، وبدأت اصوات الهورنات تثقب الآذان وتغطي على الزغردات الفيروزية.

وقبل الوصول الى الشورجة وبالقرب من جامع الخلفاء حدث ان تصادم التكسي الذي نحن به مع سيارة  شيفروليت (ستيشن واكن) عسكرية تعود لضابط برتبة لواء كما يدعي سائقها وهو عسكري برتبة عريف. ونتيجة للأزدحام حاول العريف ان يفتح طريق له من امام التكسي الذي نحن به. وبما ان سيارة سائقنا كانت واقفة وليست متحركة، فإن الخطأ كان واضحاً من العريف سائق سيارة اللواء، علماً ان اللواء لم يكن في السيارة.  نزل العريف من سيارته مكيلاً ابشع الشتائم وابذل الألفاظ على سائق التكسي المسكين الذي لم يستطع فتح فمه ولو بكلمة واحدة. اخيراً طالب لا بل امر العريف سائقنا  بالذهاب الى مركز شرطة النهضة لتسجيل الحادث. وافق سائق التكسي على ذلك مرغماً. لم يتحدث او يتدخل اي من الركاب في الموضوع، اما لعدم اهتمامهم او لخوفهم من العريف. بعدها طلب وتوسل السائق من جميع الركاب كي نذهب معه كشهود ليثبت حقه وينقذ نفسه. اعتذر الجميع لوجود اسباب حقيقية لأنهم موظفين او اسباب وهمية كي يتملصوا من المسؤولية. أما انا فكنت اصغرهم سناً وكان عليّ مسؤولية فتح باب متجرنا في الشورجة ولديّ عذري المشروع. ولكن لم يكن كل ذلك ما افكر به. كان تفكيري كله ينصب على سائق التكسي المسكين وكيف سيثبت حقه امام سائق عسكري برتبة لواء. لم اجد الموضوع مطمأناً او متوازناً. ولما كنت “ممن يحملون السلم بالعرض” ويمشون به كما يقولون، قررت الذهاب معه كي امنحه فرصة متكافئة وامنح نفسي فرصة لأكون جزءاً من الصراع غير المتكافئ. 

وصلنا الى مركز الشرطة وكان العريف قد سبقنا للحديث مع مأمور المركز. وبقينا انا والسائق في خارج الغرفة بالأنتظار. امرنا الشرطي كي ندخل على المفوض مأمور المركز. دخلنا وبادر المأمور بسؤالي بطريقة سلطوية عنيفة: من انت وماذا تعمل هنا؟ قلت انا راكب في السيارة وجئت كشاهد. ومن طلب شهادتك؟ قالها بعصبية شديدة اللهجة. قلت لا احد، تطوعت لأعتقادي بأنكم ستحتاجون الى شاهد عيان محايد. استمريت وبلغة اكاديمية وكأني اترافع نيابة عن موكلي: انك امام شخصين كل واحد سيروي قصته، ألا تريد ان تسمع رأي شاهد لا مصلحة لديه مع اي من الطرفين؟ طبعاً كل هذا وهو يرى اني شاب بهندام لائق واحمل معي كتب جامعية ويستطيع التدليل منها عن امور اخرى! كان وقع كلامي هذا قد أثار حفيظته، وقال: ” لا اريد شهادتك، إطلع قبل ان يخرجك ابو اسماعيل (الشرطي) بالجلاليق (بالركل بالأرجل على المؤخرة)”. وقبل ان اجيبه واورط نفسي اكثر، سحبني سائق التكسي من يدي وطلب مني الخروج متوسلاً، وقال لي: الله وياك عَمي، روح، الله يخليك لا احتاج الى شهادتك، واستخدم كلتا يديه لمسك كتفيّ كي يحول وجهتي، ودفعني صوب الباب كي اخرج، واستمر يؤشر لي بيديه روح روح (اذهب اذهب).  

خرجت من مركز الشرطة مُهان ومكسور الجناح لا حول لي ولا قوة عارفاً ان ما سيحدث لسائق التكسي المسكين سيكون ظلما وامتهانا. خرجت وانا افكرهل سيبات في بيته ذلك المساء ام لا؟ هل ان سائق التكسي هو مالك للسيارة ام يعمل بالأجرة بها؟ واذا غرموه هل لديه المال كي يدفع؟ إلا ان اكثر ما ادهشني وافرحني بنفس الوقت هو شهامة وشجاعة واخلاق سائقنا الذي تغير همه فجأة وبلحظة، فبدلاً من ان ينقذ نفسه قانونياً ومالياً ويستفاد من افادتي، قرر ان يحافظ على كرامة شاب وطالب جامعي من الأهانة والأعتداء من قبل كامل القوات المسلحة العراقية، “الجيش الذي هو سور للوطن والشرطة التي هي في خدمة الشعب”. الف شكر وتحية خالصة لشهامة سائق التكسي الكادح ولحسن اخلاقه ولحمايتي من الحماة. 

محمد حسين النجفي
www.mhalnajafi.org
#مواصلات #العراق
روابط اخرى:
مخالفة مرورية في شارع الرشيد