الشعب العراقي بين التوحيد القسري والتعايش السلمي

 إن الشعب العراقي يتكون من مجموعة واسعة من التركيبات القومية  والدينية  والطاثفية والعرقية .  فهناك العرب والكورد والتركمان والأشورين والكلدان والأرمن والفرس .  وهناك المسلمون والمسيحيون  واليهود والأزديون  والمندائيون. وهناك الشيعة والسنة والأرثدوكس والكاثوليك وما الى ذلك من تفاصيل فرعية في كل مكون. إن الأعتراف بوجود المميزات الخاصة لكل شريحة لا يؤدي كما يعتقد البعض الى التمزق والتحلل والأنفصال والضعف. لا بل على العكس فإن الأعتراف بذلك يؤدي الى التفاهم والتعايش السلمي وعدم تدخل طائفة في شوؤن طائفة اخرى. إن التوحيد المبني على رغبة الحاكم في ارغام هذه الطوائف بالتنازل عن مميزات تراثها وعاداتها وتقاليدها الموروثة كي تنصهر في بودقة الأتجاه العام  ً السائد ً  والمقنن بقوانين وتشريعات حكومية، لا يخدم في اهدافه إلا صانعيه. أما التوحيد المبني على الأحترام العقلاني للأختلافات في العقائد والتقاليد، فإنه ينبع من الأحترام المتبادل لهذه المجموعات المتميزة ولصيانة تراث وحقوق كل منها للأخر.

فلا نستطيع القول إننا جميعاً مسلمين لا فرق بين عربي او كردي او تركماني. او القول ان المسلم هو مسلم سواء كان سنياً أو شيعياً. كيف يمكن قول ذلك ؟ هل نغفل أم لا علم لنا عن الخلاف الذي بدأ منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة وتطور أكثر فأكثر في عهدنا المعاصر. نعم سوف نستمر بقول لا فرق ، ولافرق، ولا فرق، وسيتلوا قاداتنا علينا الحكايات التي تثبت بأن الأتحاد قوة. ولكنهم يطالبون بتوحيد مبني على نكران وجود الفوارق، وليس المبني على أساس الأعتراف بوجود الفوارق، والتحدث عنها وفهمها وخلق الأحترام المتبادل والأيمان بعدم التدخل بشوؤن الطائفة الأخرى وتجنب خدش شعور الأخرين. إن الشعور بالأنتماء الى الوطن يزداد عمقاً، إذا ما فُسح المجال داخل هذا الوطن الواسع الكبير للأنتماءات الفرعية ان تزدهر وتتفتح على ابنائها. وليكون تعدد اللغات والتراث، وتعدد الأديان والطوائف مصدر قوة لذلك البنيان، وكأنما كل واحدة منها عمود صلب يتكأ عليه ذلك البناء الكلي الواسع. عند ذلك فإن الكوردي، سيُعرف نفسه بأنه كردي عراقي، وليس كردي فقط، وان الكلداني سيقول انا كلداني عراقي وبفخر بدل ان يقول كلداني فقط.

إن البعض منا لا يرتضي وجود تجمعات عراقية خارج الوطن تحت مظلة دينية او قومية. فهناك جمعيات كردية وأشورية وتركمانية. وهناك اتحاد طلاب كردي وتركماني. وهناك جمعيات كلدانية. وهناك أتحاد للشباب المسلم.  وهناك جمعيات أسلامية عراقية شيعية وسنية. منها تحت أسماء صريحة وأخرى مستعارة. كذلك فإن هناك جمعيات مهنية ومنضمات يساريةعلمانية. وهناك نوادي اجتماعية ترفيهة. اضافة الى الجوامع والحسينيات والكناس ودور العبادة الأخرى.  فهل ان هذا النهج خاطىء ويؤدي الى تمزيق الشعب العراقي في الوطن، والى تبعثر الجالية العراقية في المهجر؟ الكثير يعتقدون بذلك، ومن هؤلاء الكثير ممن يطالب بالديمقراطية والحرية والحقوق القومية. أنهم يعتقدون بما أن العراق بلد واحد، فإنه يجب ان لا يوجد سوى تراث واحد، وتقاليد موحدة، وحكومة واحدة، ومعارضة واحدة، وصحيفة واحدة. وإن هذا الشعب الكبير يجب أن لا يمثل سوى بأتحاد طلاب واحد، وأتحاد نساء واحد، وأتحاد فلاحين واحد. ولقد نسيوا إن مشكلتنا دائماً كانت هي ان لدينا حاكم واحد وهو الذي أبتدع هذه الشعارات. إننا يجب أن نرحب ليس فقط بتعدد الأحزاب السياسية العقائدية، وإنما ايضاً الى تعدد الجمعيات الممثلة لمختلف شرائح الشعب العراقي سواء كانت القومية أو الدينية أو الطائفية أو العرقية او العقائدية. إن وجود التمثيل لهذه الشرائح يؤدي الى تبادل المعلومات ومعرفة خصوصيات كل طائفة، والعمل على صيانتها من خلال الأعتراف المتبادل. عند ذلك نكون جميعاً ( عراقيين ).

ويمكن ان نأخذ درساً من سويسرا الأتحادية وهي بلد صغير جداً قياساً بالعراق. حيث ان مساحة سويسرا تبلغ 41,285 ك2 ، بينما مساحة العراق تبلغ 169,234 ك2. وان عدد سكان سويسرا هو ثمانية ملايين  نسمة بينما سكان العراق يبلغ ستة وثلاثون مليون نسمة وذلك في عام 2014. وعلى رغم صغر المساحة الجغرافية لسويسرا وتقارب المدن في ما بينها إلا ان هناك العديد من اللغات الرسمية. حيث ان الدستور يعترف بأربعة لغات هي الألمانية السويسرية ويستخدمها 65% من السكان تليها اللغة الفرنسية ويتكلمها 23% ثم اللغة الأيطالية ويتحدث بها 8%. وهناك لغة رابعة لا يتحدث بها سوى 0.5% اي نصف الواحد بالمئة وهي اللغة الرومانشية. وهناك الكثير من اللهجات المحلية لكل لغة من اللغات. فبدل ان تسعى سويسرا لتوحيد شعبها عن طريق توحيد اللغة او اللغتين الرئيسيتن الألمانية والفرنسية وجعل الجميع يتحدثون بهما وهو امر ممكن نتيجة لصغر البلد مسحة وسكاناً، فإنها على العكس من ذلك تنفق الأموال كي لا تندثر اللغة الرومانشية والتراث المترابط معها. ونحن في العراق وبعد جهد جهيد وكفاح السنين استطاع الكورد من ان يجعلوا اللغة الكوردية لغة رسمية. ولكن هناك لغات اخرى لم تحصل على نفس النصيب من التقدير والأعتراف وخاصة اللغة التركمانية واللغة السريانية التي يتحدث بها السريان والكلدان والآشوريين. كذلك هناك لغات اخرى مثل اللغة الأرمنية واللغة الفارسية. انما نأخذ اللغات كجوهر لتراث وادب وعادات وتقاليد يجب ان يفسح المجال لها كي تساهم بشكل ايجابي لتمثيل البلد الذي ينتمون اليه.

 ان منح الحرية والأعتراف بتعدد اللغات والتراث المتنوع في البلد الواحد ما هو إلا نموذج لكيفية تعامل الأغلبية مع الأقلية، القوي مع الضعيف، والغني مع الفقير، المتدين مع العلماني والعلماني مع المتدين. اننا للأسف الشديد نحمل بين طيات تفكيرنا الكثير من الذكريات المؤلمة لتعرض هذه الطائفة وتلك للأضطهاد من قبل السلطات في عهد ما وزمان ما. ان ما يقوم به الحاكم يمثله وسلطته فقط ولا يمثل الطائفة او الدين او القومية التي ينتمي اليها. ان على مكونات الشعب الواحد ان لا تمنح الحاكم والسلطة الفرصة لتفرقيها.

 وهنا نسأل السؤال، هل ان السويسريون يحترمون ويقدرون ويشعرون بالأنتماء لوطنهم أكثر ام ان العراقيون أكثر؟ فلماذا الحجر والكبت والتوحيد الشكلي القسري المفتعل؟ ولماذا لا ندع ألف زهرة تتفتح في وادينا؟ ولماذا لا نسقي هذة الزهور بمياه دجلة والفرات ونجعل الأرتماء بأحضان الآخرين مسألة طوعية بسبب الود والمحبة والتآخي والتعايش السلمي؟

محمد حسين النجفي

mhalnajafi.org

15 آب 2015

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *