صراع بين الكرامة والواجب: بين اروقة الجامعة المستنصرية

صراع بين الكرامة والواجب

بين اروقة الجامعة المستنصرية

“سأذهب الى زميلتي واقول لها بما حدث واطلب منها اما ان تترك العمل السياسي في هذه المرحلة الصعبة التي تكلف الأنسان حياته دون مردود يذكر،

وان نبني عائلة،  واما ان نفترق قبل فوات الأوان”

لم يكن  شتاء العام الدراسي 1978/ 1979 من الأعوام التي يمكن ان يطويها الزمن وتخلد الى النسيان بسهولة.  كان شتاءً قاسياً ببرودته ومكفهراً بسمائه وممطراً ندياً دون انقطاع. وفي هذا الجو الملئ بالكآبة،  توالت الأحداث يوماً بعد يوم  لتضيق الآفاق من حولي وتؤطرني في زوايا ضيقة لا استطيع الحراك فيها. وابتدأت بأصابة والدي بمرض عضال  لم نستطع انقاذه منه لقلة الأمكانيات المالية، والذي ادى في النهايه  لوفاته قبل الأوان بكثير. وبطبيعة الحال أثر ذلك على وضعنا المعاشي ووضعنا مادياً في موقف محرج جداً. لقد ترك لي ابي دكان صغير وزوجة اب والعديد من الأخوة منها. ولما كان الدكان هو مصدر معيشتنا ولابد من شخص يديره قررت الانتقال الى الدراسات المسائية، وتعلمت المصلحة قبل فوات الأوان. ولكني في نفس الوقت منغمس سياسياً وفي وضع محرج جداً ويمكن ان اعُتقل في اية لحظة. ماذا افعل لا ادري؟ هل ابقى على انتمائي الحزبي واعمل في سبيل الوطن؟ ام اترك السياسية كلياً واهتم برعاية زوجة ابي واخوتي من ابي؟ هل اترك الجامعة واعمل في الدكان ليل نهار كي اكسب القوت الذي كان يكسبه والدي قبل وفاته ام اجد وظيفة استعين بها؟

مدخل الجامعة المستنصرية

كلها امور محيرة لا استطيع الأجابة عليها. يكاد رأسي ينفجر. المنظمة الحزبية للسلطة في منطقتنا شددت الحصار علينا بعد اعترافات عزيز الحاج المُذلة. آمالنا في هذه القيادة قد خابت تدهورت .  ولكن القضية، القضية اهم من الأشخاص. لا ادري، لا ادري، لا ادري. انهم يضغطون ويريدون مني اعترافات وتنكر وبراءة من كل شئ اؤمن به. لا استطيع ان اقوم بذلك. مالي وعزيز الحاج المتخاذل. دعني اتذكر قدوتي سلام عادل وابو العيس والعبلي ووووووو قافلة الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من اجل القضية. 

ولكن اخوتي وزوجة ابي ودراستي ومستقبلي، اليسوا قضية؟  ما العمل؟ اضحي في القضية من اجل اخوتي ام اضحي بأخوتي من اجل القضية؟ رأسي يكاد ينفجر والضغط يزداد وهددوني بالأعتقال اذا لم اطاوعهم. اريد حلا، اريدي معين، اريد من يحميني ويساعدني. ولكن من يساعد شروكي هلكان من مدينة الثورة يتيم وذو افكار هدامة؟

من يساعدني من الأقرباء او الأصدقاء؟ من يريد ان يتورط بموضوع كهذا؟ دعني الجأ الى زملائي في الجامعة. ولكنهم لا يعرفون بأنتمائي واذا عرفوا فسوف يضغطون علي في الجامعة والمحلة. ياالله يكاد رأسي ينفجر. ربما احد الأساتذة يساعدني. ولكن معظمهم مصريون يخافون من ظلهم. ومن بقى اما جزء من السلطة او ضعيف لا يحل ولا يربط.  ولم يبقى سوى شخص واحد. نعم انه هو. ليس من السلطة ولكنه قوي، و لا ادري سر قوته. يحترمه الجميع وشاب وعسى ان يتفهم وضعي وقضيتي.  واذا رفض مساعدتي فإنه سوف لا يشي بي او يضرني بأي شكل من الأشكال. كنت طالباً عنده في السنة الثانية وانا طالب عنده في السنة الثالثة. اذن قررت. ساحدثه غداً.

توجهت الى استاذي* خائفاً ومتلكئاً. ناقشت في ذهني كيف سأطرح الموضوع عليه مئة مرة ومع ذلك لازلت متردداً. واخيراً جاء امامي، سلمت عليه وطلبت ان احدثه على انفراد. منحني هذه الفرصة وقال تفضل. قلت اود ان احدثك بموضوع خاص بعد الدوام. رحب بذلك لأنه لا يعلم طبيعة الموضوع. كانت نهاية الدوام المسائي في الساعة الثامنة والنصف. طلب ان يوصلني بسيارته الى بيتي او مكان قريب ونتحدث في الطريق. حكيت له الموضوع بما انزل. احسست انه مستغرب ولكنه لم يظهر اي نوع من ردود الفعل التي استطيع ان اقرأ منها موقفه الحقيقي. نعم قلت له انني عضو في الحزب الشيوعي- القيادة العامة. وان هناك اعترافات عليّ، وبالتالي منظمة السلطة في منطقتنا يريدون مني الأعتراف والتبرئ وإلا سيتم اعتقالي.   سألني الأستاذ ماذا تنوي ان تعمل؟ قلت له لا اريد ان اعترف ولا اريد ان ادخل السجن، لأنني لا اريد ان اخسر كرامتي ولا اريد ان اتخلى عن اخوتي. ثم فاجئني بسؤال آخر، لماذا لم يعتقلوك؟ ولماذا يمنحونك هذه الفرصة في الأختيار؟ جعلني هذا السؤال افكر ملياً لأقول له بصراحة من اننا كحركة لا نمثل تهديداً حقيقياً لهم، وانما الحزب-اللجنة المركزية، هو من يحسبون له الف حساب. ئم سألني الأستاذ لماذا اخترتني لهذا الموضوع فأنا لست مع السلطة كي اساعدك ولست من حملت افكارك كي اتعاطف معك؟ وهنا جائني الألهام واعتقد من انني اعطيته الجواب المقنع وقلت له اعلم ذلك، ولهذا السبب اخترت الحديث معك دون الآخرين. 

وقبل الوصول الى ساحة النهضة كي اكمل المواصلات من هناك الى مدينة الثورة اعطاني الحل. قال لي عليك ان تسمعني وتطبق بالحرف الواحد ما اوصيك به. اذهب الى زميلك فلان وهو عضو اللجنة الأتحادية للأتحاد الوطني وهو من الطلاب الجيدين الذين يحترمون انفسهم ولا يستغلون منصبهم، وقل له اني بعثتك اليه، وان الأستاذ واثق من انك ستساعدني، ثم اشرح له الموضوع كما شرحته لي وبالتفصيل الممل.

وعلى الرغم من شكوكي في ان الموضوع سوف لن يحل بهذه الطريقة، إلا انه لم يكن لدي حل آخر. وفعلا ذهبت وطرحت الموضوع على زميلي الأتحادي وكانت انطباعات وجهه تتغير بتغير كلامي. وبعد نقاش وحوار واخذ ورد ومن دون ان يهينني او يستفزني، اظهر ملامح الاستغراب والتعجب اكثر مني.  كيف ان الأستاذ وضعنا بهذا الموقف، ووثق به واعتمد عليه. اعتبر زميلي ذلك بمثابة اعتزاز واعتراف منه بقدرته القيادية على ادارة شوؤن زملائه الطلبة في محنهم. وهنا كانت المفاجئة. قال لي الزميل الأتحادي اعتبر الموضوع منتهياً. دعنا نذهب الى الأستاذ نطمئنه ونشكره على الثقة التي منحنا اياها. 

وعلى الرغم من ان القصة يبدوا انها انتهت نهاية سعيدة، إلا انني الآن عليَ  ان اتفاهم مع زميلتي التي اخفيت موضوعها عن استاذي وزميلي الأتحادي. سيكون من الصعب علي ان اقنعها بترك العمل السياسي لأنها في حقيقة الأمر مؤمنة فيه اكثر مني. كذلك ان تنظيمها لم يكتشف بعد، وبالتالي فإنها لا زالت تمارس العمل السياسي. ولكن ضمن علاقتي بها فإن اي شئ يحدث لها سوف اتهم فيه دون شك. فما العمل؟ وما عساي ان اقول لها او اقنعها به؟

سأذهب الى زميلتي واقول لها بما حدث واطلب منها اما ان تترك العمل السياسي في هذه المرحلة الصعبة التي تكلف الأنسان حياته دون مردود يذكر، وان نبني عائلة مع زوجة ابي واخوتي، واما ان نفترق قبل فوات الأوان.

*محمد حسين النجفي

كانون اول 2017

mhalnajafi.org  

12 Comments on “صراع بين الكرامة والواجب: بين اروقة الجامعة المستنصرية

    • عفوا ابو محمد
      الزبيدية ليسوا قليلون ومنهم أصدقاء كثيرون. وسامر واحد منهم. مع ذلك كان يجب ان أفرزها.
      ارجوا قراءة المقالات الاخرى

  1. عزيزي ابو عامر
    في جوهر القصة حقيقة عاشها العراقيون ،وكنا الاقرب اليها فهناك من راقبنا واقسى علينا وشتمنا وهددنا ،بل كان ساديا علينا ،ثم انتهى مع عنتريته بعد حين،
    الا ان القصة تظهر نوع التسامح والقدرة على اعلام الاخرين ،التي اعتقد انها لم تكن موجودة في تلك الاروقة
    دمت

    • عزيزي سامر
      كلامك صحيح وانا اعلم بذلك قبل غيري. ولكن هذه القصة ليست من وحي الخيال انما حقيقية. اردت كتابتها لما لها من مميزات خاصة وتفاعل انساني طغى على الحسابات السياسية والأمنية. مع وافر التقدير

  2. ترك العمل السياسي في سبيل العائلة هو في حد ذاته تضحية وتضحية كبيرةجدا وكانه وخصوصا في وقت كان يكون عمله محظور او في خطر على حياته لذا اقتضت الضرورة ان يترك العمل السياسي ولو لفترة معينة

    • نعم اخ سامي ممكن ان ننظر لها من هذا المنظار

  3. This gives me confidence and hope that our fellow Iraqis have a good balance between honor and duty. Thanks Mohammad, your story telling style is addictive.

    • Dear Husam, What can I say. I am reflecting some of my life memories to the public hoping that somehow someone will work for better life for all humanity. Thank you for your kind comments.

  4. Very touching story reflecting real life and tough struggle in Baghdad a long time ago but prepared you to deal in the future with what life throws at you. It also proves that A Friend in Need is a Friend Indeed and one must reciprocate!!
    Empathy is the word missing from Arabic vocabulary!

    • Thank you Moid for your comment. This is a true, yet the least dramatic picture in life of Iraqi youth in the 60’s through the 80’s, who got involved in politics.

  5. التجربة تذكرني بأصدقاء و أقارب من الحزب الشيوعي …. الشيوعيون يتمتعون بثقافة عالية و قدرة على المحاورة و الاقناع ، اغلب الشيوعيين الذين تقلدوا مناصب مهمة في الدولة العراقية لم تسجل ضدهم اي قضايا فساد او إهمال ….

    • نعم كل هذا التاريخ والحاضر ومع ذلك لم يستطيعوا ان يتقدموا في العملية السياسية الى اليوم، والسؤال كما ذكرت حضرتك العملية السياسية مسيطر عليها معظمها من قبل الفاسدين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *