ما قبل تأسيس الدولة العراقية

          ” الفصل الأول من سلسلة اليوبيل المئوي لتأسيس الدولة العراقية”

تقديم من قبل الأستاذ الدكتور محمد عبد الرضا شياع المحترم:
أخي وصديقي أبا عامر: مساء الخير والحبور
أسعدني جداً هذا المقال غير التقليدي، وأني لأرى أهمية الكتابة تتجلّى في بذر قلق السؤال بأرض القارئ، فالكتابة المتصالحة لا تضيء وعي المتلقي، أو كما يرى يوري لوتمان بتعريفه للحركة، التي يقول عنّها لا تعني الانتقال من مكان إلى آخر، وإنما تعني الحركة الانتقال من وعي إلى آخر، وعندما ننظر إلى مياه البحيرة الراكدة، نشعر بالتساكن الذهني، ولكنّ الدوائر التي تخلقها الحجارة التي نلقيها فيها إبعاداً للضجر، هي التي تحفّز العقل على الاستيقاظ، والخيال على ابتناء الصور، شخصيّاً لا أحفل بإنجازات المؤرخين الذين لا يطرقون سبل المحجّات الموحشة لقلة سالكيها، وهي التي توصل إلى الواقع المُعيش، وربما إلى الحقيقة المغيبة، فالمغيّب والمسكوت عنه أضحى عندنا درساً مدرسياً نفرح به، وكأنّه الحقيقة، وهي ليست كذلك، لقد شدّني المقال (ما قبل تأسيس الدولة العراقية) من فقرته الأولى، التي استدرجتني إلى المتابعة، لأخرج بوعي مغاير، وإن كانت لبنات المقال الأولى هاجعة في كهوف ذاكرتي، عليه دعني أقول: هذا مقال ممتاز، وتتمثّل ميزته في تحريض القارئ على السفر إلى منابع السؤال، لعلّه يؤوب بالإجابة التي تشي بالواقع.
أشكرك أبا عامر، فبقراءة هذا المقال أُعِدُّ مسائي اليوم من مساءات القراءة العاشقة.
أشكرك صديقي!
أخوك أبو إيناس

المقالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــة:
لم تكن هناك دولة مركزية بمعنى الكلمة اسمها الدولة العراقية قبل عام 1920(*)(1)، سواء كدولة حرة أو دولة تابعة لإمبراطورية أو دولة أخرى. إنما كان هناك ولايات مثل ولاية البصرة وولاية بغداد وولاية الموصل، وكلها تابعة بشكل مباشر إلى سلطان الدولة العثمانية ومقرها الآستانة. وعليه لم تكن هناك روابط أدارية حكومية بشكل مركزي ترتبط به هذه الولايات الثلاث. وعدم وجود كيان حكومي لا يعني عدم وجود شعب عراقي مترابط بشكل وآخر مع بعضه عن طريق التجارة والعلاقات الدينية والنسب العشائري والقبلي. كذلك لا يعني عدم وجود مشاعر وطنية عامة وتفكير جمعي بوطن موحد لأرض العراق وشعب العراق.

لقد أُطلقت على العراق أسماء عدّة عبر الزمان والمكان، فعُرف ببلاد ما بين النهرين، وأرض الري، أووروك، وبابل، وسومر، وأكد، ونينوى، وأرض السواد، ووادي الرافدين، وموسابوتميا. أما الحدود الجغرافية فهي أيضاً اختلفت باختلاف الزمان والمكان، فكانت ألامبراطوريات القديمة تعتمد على مدينة واحدة، مثل سومر ومركزها مدينة أُور، والبابليون مدينة بابل، والآشوريون مدينة نينوى. وفي العصور التي تلتها كانت مدن البصرة والكوفة والحيرة لتضاف بعد تلك مدينة بغداد لتكون عاصمة الدولة العباسية في عهد ابو جعفر المنصور. وليتطور الزمان وتتكون مدن جديدة لها أهمية دينية مثل النجف الأشرف وكربلاء وسامراء والكاظمية. لذا فإنّ الجغرافية السياسية للعراق أو لأرض العراق او حينما يقال أهل العراق، المقصود بها ما  تؤطرهُ المدن المذكورة وما بينهما وما حولهما من مجمعات كبيرة وصغيرة وقرى ريفية والبدو الرحل الذين يصلون مشارف هذه المدن ولو في مواسم الرعي فقط. فكيف تكوّن العراق الحديث كدولة كما نعرفها اليوم؟ في أعتقادي أن هناك ثلاث عوامل رئيسة أدّت دورها في تأسيس العراق الحديث عام 1921:

العامل الأول هو تدهور الدولة العثمانية تدريجياً، وفقدانها السيطرة على ما يحدث في الولايات غير التركية التابعة لها في اوربا وشمال افريقيا والحجاز أو العراق والشام. وأنعكس ذلك في صراع بين الأشخاص والتيارات السياسية في مراكز قِوَى الدولة العثمانية. ففي عام 1909 أسقط الضباط القوميون الأتراك السلطان عبد الحميد الثاني، وسيطر محمود شوكت باشا على إسطنبول. وبدأ صراع مفتوح بين أفكار واتباع “تركيا الفتاة” الليبرالية وبين أفكار وأتباع “الاتحاد والترقي” التي تؤمن بتتريك الشعوب غير التركية. وفي خضم هذا الصراع ظهرت شخصية القائد مصطفى كمال الذي هزم الحلفاء في المعارك البرية في مضيق الدردنيل في الأعوام 1915/ 1916. وفي عام 1922 تنازل السلطان محمد السادس عن العرش لعبد المجيد الثاني، حيث وقع مصطفى كمال معاهدة لوزان مع الحلفاء متنازلاً بموجبها عن الأراضي غير التركية للحلفاء. وفي عام 1924 ألغيت الخلافة العثمانية التي كانت تحكم بأسم الدين وتمّ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة كدولة عَلمانية، على يد مصطفى كمال الذي سُميّ “أتاتورك” ومعناه أبو الأتراك(1).

العامل الثاني هو التنسيق بين الشريف حسين وابنه الأمير فيصل مع الإنكليز عن طريق مكماهون ولورنس العرب. حيث أدت هذه الثورة التي ابتدأت عام 1916 إلى توجيه الضربات الواحدة بعد الأخرى للقوات العثمانية في الحجاز وشرقي الأرْدُنّ، ومن ثمّ تحرير الشام عام 1918.  ولقد ألهمت الثورة العربية، العديد من الضباط العراقيين والسوريين الذين يعملون في الجيش العثماني لإعادة النظر في ولائهم للسلطان العثماني، ومنهم نوري السعيد وجعفر العسكري وياسين الهاشمي ومولود مخلص، حيث التحق العديد منهم للعمل جنباً إلى جنب مع الأمير فيصل لتحرير الشام وكان من المفروض السيطرة على مصير الشرق الأوسط العربي تحت أمرة الشريف حسين وأبنائه. بعد ذلك انصب اهتمام الضباط العراقيين الشريفيين نحو السلطة في العراق الذي استكمل الإنكليز السيطرة عليها كلياً عام 1917.

أما العامل الثالث فهو توجه الإنكليز للسيطرة على العراق الغني بالموارد النفطية(2) والأراضي الزراعية الخصبة، وانتزاعها من قبضة الدولة العثمانية. حيث دخلت القوات الإنكليزية عن طريق ميناء البصرة عام 1914 واستمرت بالتحرك شمالاً لاحتلال بغداد، والسيطرة كلياً على العراق في عام 1917. إن خروج العثمانيين من العراق احدث فراغاً سياسياً وإدارياً. تبع ذلك إقرار الحلفاء في مؤتمر سان ريمو انتداب إنكلترا على العراق في 25 نيسان 1920.

العراق أثناء ولادة الدولة العراقية الحديثة

بعد تحرير الشام من قبل الشريفيين، بقيادة الأمير فيصل، طالبت فرنسا إنكلترا بتطبيق معاهدة سايكس- بيكو السرية التي قَسم فيها الحليفان، الشرق الأوسط دون دراية الشريف حسين. وبذلك أخذوا يضغطون على فيصل بالتخلي عن الشام للإدارة الفرنسية. ولم يرغب ألإنكليز ان يحكموا العراق بشكل مباشر، لذلك بدأت الإدارة الإنكليزية عن طريق مراكز التخطيط ألاستراتيجي في الهند والقاهرة ولندن في البحث عن افضل وسيلة لحكم العراق. وعلى الرغم من ترشيح العديد من الشخصيات العراقية الطموحة لأنفسهم كي يحكموا العراق أمثال طالب النقيب من أشراف البصرة وعبد المحسن السعدون من أشراف المنتفك والشيخ خزعل الكعبي أمير المحمرة، وياسين الهاشمي الضابط الشريفي الطموح وغيره العديد، إلا إن الإنكليز وجدوا في الأمير فيصل بن الشريف حسين الحل الأفضل، لسببين، الأول تعويضه عن تخليه عن حكم الشام، والثاني تلمس الإنكليز رغبة العراقيين بحاكم من العائلة الهاشمية التي يحترمها شيعة وسنة العراق، خاصة بعد ثورة العشرين.

بذلك انعقد مؤتمر القاهرة في آذار 1921 الذي حضره المندوب السامي البريطاني السير بيرسي كوكس ومس بيل من ادارة العراق الإنكليزية وجعفر العسكري وساسون حسقيل نيابة عن وزارة عبد الرحمن الكيلاني المشكلة حديثاً تحت إشراف السير بيرسي كوكس. وقد تم في هذا المؤتمر الذي حضره مستر ونستون تشرتشل، إقرار الأمير فيصل ملكاً على العراق بشرطين، الوصاية البريطانية وبيعة العراقيين له. الوصاية كانت أمراً مفروغاً منه نتيجة لتواجد القوات البريطانية وقرار الحلفاء في مؤتمر سان ريمو. أما بيعة العراقيين او لنقل “أشراف” العراقيين ممثلين بالشيوخ والسادة ورجال الدين والموظفين الكبار الذين كانوا جزءاً من الإدارة العثمانية، فإنها لم تمر بالسهولة ذاتها.

نعم تعثرت بيعة العراقيين للأمير فيصل، مما اضعفه كثيراً في تفاوضه مع سلطة الانتداب البريطاني. فعلى سبيل المثال، فإن لواء كركوك والسليمانية صوت ضد الأمير فيصل، وان لواء أربيل والموصل اشترطا ضمان حقوق الأقليات كما وردت في معاهدة سيفر. أما لواء البصرة فقد اشترط أن يكون الأمير فيصل ملكاً على “العراق والبصرة”، بمعنى أن البصرة تعتبر أقليما متحدا مع العراق وليست جزءاً منه. أما لواء الدليم والحلة والمنتفك والعمارة فكانت بيعتهم مشروطة ببقاء إشراف بريطانيا العظمى. ولم يمنح البيعة المطلقة سوى لوائي كربلاء وديالى. أما لواء بغداد فقد بايع الأمير فيصل بشروط عديدة منها التأكيد أن يكون العراق دولة دستورية حرة ديمقراطية مستقلة مجردة من كل قيد ومنقطعة عن سلطة الغير(2). وحتى بعد تتويج فيصل ملكاً على العراق، وسعيه للحصول على الاستقلال، سعى بعض الشيوخ على تحريض الإنكليز على فيصل، فقد ” أعلن مشايخ بني ربيعة انهم ينظرون “باشمئزاز حقيقي الى احتمال سحب الإشراف البريطاني، واكثر من ذلك، فإن علي سليمان من الدليم، وأربعين رئيس عشيرة آخرين، ذكّروا الملك في لقاء معه، ومن دون خجل، بأنهم أقسموا على الولاء له شرط  أن  يقبل  بالتوجيه البريطاني”(3)، وبعبارة أخرى فإن:

“البيعة كانت لبريطانيا العظمى أكثر من كونها بيعة للأمير فيصل”

          السؤال الذي يمكن طرحه او التفكير به هو: ما الدور الذي لعبه الساسة العراقيون في تأسيس العراق الحديث؟ هل كان دوراً أساسياً أم دوراً ثانوياً؟ هل كان دوراً إيجابياً أم سلبياً؟ حقيقة الأمر كما ذكرنا سابقاٌ من بحث العوامل الثلاث نجد ان العديد من نخبة العراقيين الذين أحاطوا الملك الجديد، كان لهم دور سلبي لتثبيت مصالح خاصة على حساب مصلحة الوطن العليا، ودوراً ثانوياً في تأسيس الدولة، إلا أن دورهم قد تزايد من خلال المفاوضات المستمرة التي أصر عليها الملك فيصل والإدارة العراقية الحديثة لحين حصولهم على الاستقلال، ودخول عصبة الأمم المتحدة عام 1932 في نهاية حكم الملك فيصل الأول ونوري السعيد رئيساً للوزراء وجعفر العسكري وزيراً للخارجية والدفاع(4).
محمد حسين النجفي
5 شباط 2021
http://www.mhalnajafi.org/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
(*) يعرف المفكر الألماني ماكس فيبر Max Weber ، الدولة على أنها: منظمة سياسية ألزامية مع حكومة مركزية تحافظ على الاستخدام الشرعي للقوة على أراضي معينة.
(1) بطاطو، حنا، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، الكتاب الأول، من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، 1995، بيروت، ص 32.
(2) نعمة، د. كاظم، الملك فيصل الأول والإنكليز والاستقلال، بيروت، الدار العربية للموسوعات.
(3) بطاطو، نفس المصدر، ص 117.
(4) الحسني، عبد الرزاق، تاريخ الوزارات العراقية، العدد (3)، دار الشؤون الثقافية العامة، 1988، بغداد، ص 164.
#نوري-السعيد      #فيصل-الأول         #جعفر-العسكري       #لورنس-العرب       #معاهدة-سايكس-بيكو      #العهد-الملكي     #تأسيس-العراق       #محمد_حسين_النجفي

2 Comments on “ما قبل تأسيس الدولة العراقية

  1. بداية اود ان شكري واعتزازي بهذا العمل الرائع الذي يسلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ نشاة العراق البلد والشعب. ووددت اضافة معلومة اخرى لما تفضلتم به حيث انه من المعلوم ان العراق الحالي وابان العهد العثماني كان عبارة عن عدد من الولايات المستقلة التي فرضت الجغرافيا والطبيعة ان تقسم الى ثلاثة ولايات هي بغداد والموصل والبصرة, كل ولاية لها نظامها وواليها ودواوينها وممثليها لدى الباب العالي في استانبول وكان المجتمع العشائري لكل ولاية تحكمه جغرافية المنطقة والتي كانت معزولة تماما عن الولايات الاخرى لكبر المساحة وصعوبة تنقل السكان حيث يلاحظ عدم وجود مصاهرات بين القبائل في تلك الاقاليم حتى غدى كل اقليم يمثل وحدة مستقلة لا تربطه رابطة بالاقاليم الاخرى ولم يكن الرابط الوطني اوالديني قد قد نشا بعد حيث كانت المجتمعات في طور نشاتها وكانت الاقاليم تتنوع من حيث الانتماء الديني لكل اقليم وهذا ما نراه واضحا من خلال البعثات التبشيرية للاباء الفرنسيسكان والتي كانت تهتم بولاية الموصل دون سواها لوجود عشائر اثورية وكلدانية مسيحية في تلك المناطق على العكس من بقية الولايات. ان للتطور الكبيرفي وسائط النقل والذي اولته الحكومة البريطانية اهتماما كبيرا اثرا كبيرا في اذابة الحواجز بين هذه الولايات مما ادى بالتالي الى ثورة تفاعلية اجتماعية اثمرت مجتمعا من اعراق ومنابت متعددة استطاع جلالة الملك فيصل وبتشجيع من الحكومة البريطانية ان يضمها لبعضها البعض لتشكل العراق الحالي بلدا ومجتمعات والتي حرصت
    بريطانيا على بقائه موحدا كونه يمثل عصبا اقتصاديا هاما لحكومة التاج البريطاني خصوصا بعد اكتشاف مكامن النفط فيه
    تحياتي لاخي الاستاذ محمد النجفي وخالص امنياتي له بالتوفيق والسداد ودمتم سالمين
    ناجي الحاني

    • عزيزي الأستاذ ناجي، شكراً جزيلاً على منحنا الشرف باهتمامكم لما كتبناه عن الحِقْبَة التي سبقت ولادة الدولة العراقية الحديثة. أتمنى أن تسمح لي باعتبار أضافتكم جزءاً متمماً لما كتبناه عن تلك الحِقْبَة. المهم عندي إذا لم ننجز اي شئ فقد اثرينا حياتنا بهذا الحِوار المتمدن الذي نسأل الله أن يبسطه على كل الفضاء العراقي لا بل الفضاء ألأنساني عموماً. خالص الود والاحترام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *