مقومات البديل السياسي

تحدثنا في مقالة “غياب البديل” عن ان المطالبة بالتغيير السياسي سواء بالطرق السلمية او بأستخدام العنف، من دون تهيأة البديل المناسب المتفق عليه وطنياً، سيؤدي الى نتائج كارثية  كما يحدثنا التاريخ.  وهذا بالضبط ما حدث بعد التغيير عام 2003.  ولتحديد البديل المناسب نظرياً، علينا ان نؤكد على اهم العوامل التي ادت الى الفشل الذريع لتجربة ما بعد 2003:

  • مازالت القضية الكردية والتي عمرها من عمر تأسيس الدولة العراقية وهي مائة عام عالقة وشائكة ومتشعبة. إن عدم حسم الوضع القانوني والسياسي والمالي والعسكري والامني لأقليم كردستان سيكون عائقاً مستمراً لأستقرار العراق وتقدمه.
  • تغلغل الطائفية في عروق واجهزة الدولة، واستخدام المشاعر الطائفية لتأجيج الجماهير ضد بعضها البعض لأشغالها، كي تستمر السلطة المحاصصية في نهب ثروت الوطن.
  • استفحال النعرة العشائرية، وانتشار ظاهرة الحماية العشائرية والتهديد العشائري والدكة العشائرية، وانتعاش تجارة المجالس ونصب الخيم التي لا تعد ولا تحصى. ويعتبر ذلك اقوى تحدي عانت منه السلطات الأمنية والقضائية، التي اضحت عاجزة امام التهديد العشائري.
  • بناء علاقات خاصة بين مكونات الشعب مع دول الجوار بشكل مباشر، مبنية على الأنتماء العرقي والطائفي، وبدلاً من ان تستفيد هذه المكونات من دول الجوار، استطاعت دول الجوار ان تسيطر عليها لصالحها ضد مصلحة العراق العليا.
  • كان السلاح  ولايزال بحوزة المدنيين كأفراد ومنظمات وميليشيات بأنواع واسماء مختلفة ومتشعبة. ففي عهد ما قبل 2003 كان بيد تنظيمات حزب البعث (الجيش الشعبي)، وعشائر الغربية، والبيش مركة. اضيف لها بعد تغيير عام 2003 فيلق بدر، والصدريين. توسعت بعد ذلك لتشمل المقاومة (الأسلامية) في الغربية، وتنظيم القاعدة (الزرقاوي) انتهاءاً بتنظيم الدولة الأسلامية (داعش). قابله وكردة فعل وعلى اثر فتوى المرجعية، الحشد الشعبي. وعليه فإن هناك جيوشاً متعددة رديفة للجيش العراقي، جيش كردي وجيش شيعي وجيش سني، وكلها لها امتدادات خارج الوطن.

اصبحت هذه العوامل الخمس السمات الأساسية لواقع المجتمع العراقي، والتي ادت الى انشغال الشعب بصراع طائفي وعرقي ومناطقي في عراق اليوم، وفسح المجال امام السياسين كي يمرروا اجندات اجنبية، ويسرقوا ثروته. لذا فإن التغيير لا يعني رئيس وزراء جديد، او انتخابات مبكرة، او تعديل وزاري، او اتفاق مع الولايات المتحدة، او معاهدة مع الصين، او قطع العلاقات مع ايران او غلق الحدود مع تركيا. البديل هو بناء دولة جديدة مبنية على ركام الدولة الفاشلة. وهذه هي اهم المتطلبات لتأسيسها:

  • التفاوض مع الشركاء الأكراد للوصول الى اتفاق حقيقي ونهائي، لا غالب ولا مغلوب فيه. وطرح كل البدائل على طاولة المفاوضات وبضمنها الأنفصال. حيث ان التجارب غنية في هذا المجال، مثال ذلك انفصال باكستان عن الهند، وانفصال بنغلادش عن باكستان، و انفصال السلوفاك عن الجيك، وانفصال جنوب السودان عن السودان، وغير ذلك كثير. جار صديق افضل من عدو في الدار. او منح صفة الأقليم بشكل واضح المعالم وتفصيلي ضمن السيادة العراقية، وبتواجد كامل لمؤسسات الدولة على اراضي الأقليم، ومع ضمان كامل غير منقوص لحقوق الأقليات الأخرى مثل التركمان  والكلدان والآشوريين والأزديين والشبك وغيرهم، سواء القاطنين في اراضي الأقليم او خارجه، والذين تعرضوا ولا زالوا يتعرضون لأبشع انواع الأعتداءات المستمرة.
  • فصل الدين عن السياسية كلياً مع ضمان حرية ممارسة العبادة لكل الأديان والطوائف. ويمنع تأسيس احزاب ومكونات سياسية مبنية على التوجه او الدعوة الدينية، سواء من حيث التسمية، او العقيدة، او البرنامج السياسي، مثال ذلك “الأخوان المسلمين” و “حزب الدعوة ألاسلامية”. الأحزاب والمكونات السياسية يجب ان تكون مكونات وطنية لكل العراقيين تختلف فيما بينها في برنامجها الأقتصادي والأجتماعي. يقابل ذلك ان يستحدث منصب وزير بلا وزارة (لا علاقة له بالأوقاف) مهمته التنسق بين الدولة والمرجعيات الدينية لكل الأديان والطوائف في الأمور الهامة.
  • إن الأنتساب العشائري والقبلي والقومي، انتساب وفخر شخصي وعائلي، وليس مؤسسة قانونية او ادارية او مالية تنافس الدولة وتتحداها. لايجوز ان تمارس داخل الحدود الأدارية والبلدية اية سلطة عشائرية في المدن والقرى. المكان الوحيد الذي يحتاج فيه الى السلطة العشائرية هو في البادية حيث لا يوجد اي نوع من المؤسسات الحكومية. بديل ذلك يتكون مجلس واحد من عدد محدود من الشيوخ يكون له دور استشاري للدولة من خلال وزير بلا وزارة لهذا الغرض.
  • بناء علاقات صداقة مبنية على التعامل بالمثل ودون السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية مع جميع دول الجوار التي تحد العراق او دول الشرق الأوسط. عدم السماح لأية دولة ان يكون لها وجود عسكري اوشبه عسكري او استشاري او تمويلي على اراضي العراق، او في اجوائه بضمنها الأقليم. العلاقات التجارية مبنية على التعامل بالمثل ضمن اتفاقيات تضمن توازن الميزان التجاري. ويجب ان يستبعد من ذلك المحابات الطائفية او الدينية او القومية في ذلك.
  • السلاح يجب ان لا يكون إلا بيد الدولة في نهاية الأمر. وتتخذ الدولة خطوات مدروسة ومحسوبة ومتوازنة في عملية سحب ونزع السلاح تدريجياً من قبل الجميع، على ان يؤخذ بنظر الأعتبار ان لا يؤدي ذلك الى فجوة وفراغ  امني يسهل استغلاله من قبل الأرهابيين مثل داعش وامثالها. وربما يكون هذا الأمر من اصعب واعقد الأمور التي ستواجه عملية تأهيل الدولة الحديثة. وعليه اقترح الخطوات التالية:
      • ضمان حيادية الجيش وابتعاده عن المنازعات السياسية والطائفية والعرقية. وافضل ضمانة لتحقيق ذلك هو ان يكون الجيش الوطني مبنيٌ على “الخدمة الألزامية للعلم” لجميع ابناء العراق حال اكمالهم سن الثامن عشر او بعد التخرج الجامعي، ليكونوا جنوداً، ومراتب وضباط في الجيش والشرطة راجع مقالتنا السابقة  مشروع اعادة تشكيل الجيش الوطني العراقي.
      • ينزع السلاح من المدن تدريجياً ومن جميع الأفراد ومن “دون تعويض” في حدود مراكز المحافظات بدءاً بمركز محافظة بغداد اولاً. بعد ذلك يتم نزع السلاح في مراكز المحافظات والأقليم. تقوم الدولة بعد ذلك بفرض سيطرتها ونزع السلاح في الأقضية والنواحي.
      • تؤهل الدولة بعض افراد المجموعات المسلحة الى الخدمة العسكرية في الجيش والشرطة ممن تتوفر فيهم صفات الولاء للوطن والكفائة الشخصية. ينسب قسم آخر من المهنين الى الخدمة المدنية، ويسرح الباقون مع مكافئة خدمة مناسبة.

يتسائل البعض من سيقوم بذلك ومن سيوافق عليه وكيف سيمرر؟ انه مشروع مقدم لأبناء الشعب العراقي الذين لا يحتملون الواقع البائس والذين يبحثون عن البديل، وهذا المشروع ليس عريضة طلب مقدمة الى رئيس الوزراء او المجلس النيابي، وانما ملامح بديل وطني مناسب لبدء حوار مسؤول لتطويره ولأستكماله. وما لم تتوفر الجرأة في طرح البدائل الصعبة، فإن الشعب سيدور الى الأبد في حلقة دائرية مفرغة.
ترقبوا مقالتنا القادمة المكملة ” كيفية صنع المرشح البديل”


اقرأ ايضاً مقالتنا السابقة: غياب البديل السياسي

محمد حسين النجفي
14 تموز 2020
www.mhalnajafi.org
#العراق #انتخابات_العراق   #ديقراطية_العراق     #انتفاضة_اكتوبر_العراق   #انتفاضة_تشرين_العراق

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *